عاد العقيد خالد من عمله، دخل من
باب شقته وحاول السير ببطء وهدوء. الشقة متوسطة المساحة ومتوسطة الأثاث؛ الصالة
عبارة عن صالة استقبال (ريسبشن) كبير مستطيل الشكل، وينقسم إلى قسمين دون فواصل،
الأنتريه في البداية قرب باب الشقة والصالون في الجزء البعيد عن الباب، توجد بعض
اللوحات الجميلة تزين الجدران. وتتوسط الصالة منضدة الطعام. ينظر إليها خالد
ويتمتم في سره بصوت منخفض
هل مقسوم لي أن أتناول الطعام علي
كي اما في المطبخ مثل أمس؟ !
لم يكد ينتهي من حديثه حتى خرجت
زوجته الدكتورة أمل من الداخل وتتثاءب بشكل رقيق ثم تحدثت بصوت ناعم منخفض وهي
تبتسم ابتسامة رقيقة بينما تضع بكرات ملونة تستخدم في لف الشعر على رأسها
- خالد! هل حضرت؟
ينظر إليها بابتسامة حانية
- لا، لم أحضر، مازلت في المديرية
يضحك خالد بصوت منخفض وهو يعود
برأسه إلى الخلف. بينما تبتسم أمل
أنت لا تترك مناسبة إلا وتعلق على
هذه الجملة، ما علينا، حمد لله على سلامتك.
ابتسم خالد ثم اقترب منها ممسكا
كفيها بين راحتيه وقال
- سلمك الله يا حبيبتي، ألا تَزَال مستيقظة؟
- لا، لم أستيقظ بعد، واحدة بواحدة
ضحك خالد وهو يعود برأسه إلى الخلف
وارتفع صوت ضحكته قليلا
- صوتك يا خالد، الأولاد نائمون
أشار خالد بيده معتذرا وعلي وجهه
ارتسمت ابتسامة رقيقة، أضافت أمل
- هل تناولت العشاء
- ولا حتى الغداء
- كان الله في عونك، هل أحضر لك عشاء أم غداء
- عشاء خفيف أفضل
همت أمل بالاتجاه نحو المطبخ
- انتظري لا تُتعبي نفسك سأتناول أي شيء من
المطبخ
- لا، لا، سوف أجهز لك عشاء خفيفا وكوب شاي
كما تحب
- أنت تعرفين ماذا أحب، أليس كذلك
قالها وهو يبتسم ويكرر
- أليس كذلك
ابتسم خالد وكذلك أمل التي ابتسمت
ثم اتجهت إلى المطبخ
- خد حمامك وأنا سأجهز لك العشاء
ابتسم خالد ابتسامة عريضة ثم اتجه
إلى الحمام
----------------------------
في صباح اليوم التالي، استيقظ خالد
من نومه فسمع صوت زوجته الدكتورة أمل وهي تنادي على أولاده أحمد وهايدي للاستعداد
للذهاب إلى المدرسة، ابتسم خالد حين سمعهم وهم يشاكسون والدتهم، جلس أحمد وهايدى
على السفره بالذيّ المدرسى. خرجت أمل من المطبخ تحمل كيس ساندويتشات وتضعه على
السفرة وتردد العبارة التقليدية
- هيا أسرعا
أحمد وهايدي يكملان العبارة بحس به
فكآهة
- أحمد، هايدي، سوف تتأخران على سيارة
المدرسة، هيا أسرعا
خرج خالد من غرفته وهو يضحك بصوت
مرتفع، عاد برأسه إلى الخلف وقد سمع ما ردد أحمد وهايدي، سمع صوت أمل وهي تقول
- ليصح هذا يا أولاد، أتسخرون من ماما
كأنهما لم يسمعا أمل ويقفزان من على
الكراسي باتجاه خالد
- بابا بابا، أنت هنا اليوم، أخيرا سنراك في
الصباح قبل المدرسة، هي هي
يلثمهما خالد ويحتضنهما
- ماما هي السبب
تنظر إليه أمل بابتسامة وتشاور
بيديها (علامة على العتاب) وتنظر إليه نظرة ثاقبة
يتدارك خالد ما قال:
- آه آه أقصد أن ماما هي من أخبرتني أنكما
تريدان رؤيتي في الصباح قبل المدرسة وأنتم تعلمون أن عمل الضابط صعب ويجب أن يسهر
لكي ينام الناس في أمان
وضعت امل الأطباق على منضدة الطعام
حسنا اليوم سأسمح لكما بتناول
الإفطار مع بابا وأنا سأوصلكما بالسيارة فى طريقى الى المستشفى.
قال خالد وهو يجلس على كرسيه المفضل
على رأس المنضدة
- شكرا يا دكتورة
- هي هي بابا بابا ماما ماما
جلست الأسرة لتناول الإفطار سويا
وتبادل الحديث في جو من المرح والألفة.
----------------------------
داخل شقة شاكر عبد اللطيف، والد
خالد، مدير سابق بالتربية والتعليم، يجلس شاكر على أريكة الأنتريه ويمسك بالجرائد
يقلبها ثم ينظر للهاتف ويضع الجريدة التي كانت بيده ويأخذ جريدة أخرى، وينادي بصوت
مرتفع زوجته خديجة
- يا حاجة، يا حاجة
من الداخل تجيبه خديجة
- نعم يا حاج سأحضر حالا
- ألم يتحدث خالد اليوم في الهاتف؟
- أنت تنتظر بجانب الهاتف منذ صلاة الفجر يا
حاج.
لم يعلق شاكر بل نظر إلى الهاتف
وإذا به يرن فالتقطه بسرعة
- وعليكم السلام، لماذا تأخرت في الاتصال يا
بَنَى، ألا تعلم أنني أنتظر بجانب الهاتف حتى اطمئن عليك وعلي الأولاد كل يوم.
بينما على الجانب الآخر أمسك خالد
سماعة الهاتف وهو يتحدث جالسا على الأريكة في الصالون، ابتسم قليلا متحدثا إلى
والده
حسنا يا بابا لن أتأخر مرة أخرى في
الاتصال، لكن هذا دون إرادتي، أن الأولاد ذهبوا إلى المدرسة حالا مع والدتهم
بسيارتها لإن لم يستطيعوا اللحاق بأتوبيس المدرسة.
صمت قليلا يستمع لوالده
حسنا، سيتصلون بك فور عودتهم من
المدرسة، حسنا، مع السلامة، مع السلامة يا بابا
وضع سماعة الهاتف ثم اتجه خالد إلى
الداخل لاستكمال ارتداء ملابسه استعدادا للذهاب إلى عمله وخرج إلى الصالة مرة أخرى
ليلتقط متعلقاته من على منضدة السفرة ثم اتجه إلى باب الشقة وخرج.
