9
ملامح الحقيقة في
التفاصيل الصغيرة
وصل خالد إلى المديرية، ثم إلى
مكتبه. لحق به محمود قبل أن يجلس وتصافحا ثم أخبره محمود أنه شرع في في استدعاء كل
من كان على صلة بالمجني عليه وأخبره أحد الجيران أن ابن المجني عليه سيصل من
أمريكا بعد يومين. طلب منه خالد أن يحضر له تصوير الحروف التي كتبها الجاني على
جدار الشقة، فقام محمود بإخراج الصورة من حافظة الورق وأخبره خالد أنهما سيذهبان
سويا لمعاينة الشقة مرة أخرى. قال محمود بعد أن سبقه خالد بالجلوس ثم دعاه للجلوس
أمام المكتب:
- أن فحص كاميرات أي مكان قريب، كاميرات
الصيدليات الكبرى وكذلك البحث عن أي معلومات عن الدواء أو من اشتراه يوم الجريمة
من أقرب صيدليات كبرى من منطقة الحادث من الممكن أن يقودنا إلى شيء. وقد أرسلت
رجالنا للقيام بذلك
- حسنا، ممتاز يا محمود، أحب الهمة والتركيز
في العمل، من حضر ممن استدعيتهم؟
- لقد حضر كل من استدعيته، مشيرة سكرتيرة
المجني عليه وتقريبا مديرة الشركة، جيران المجني عليه، نجاح وكساب وهما عاملين في
مخزن الشركة، صابر المحاسب، وعبد الجواد بواب العمارة
- حسنا، أبقى معي ولا تتدخل في التحقيق إلا
بعد أن انتهى حتى لا أتشتت، فأحيانا التقط خيطا رفيعا من بين ثنايا كلمات الشهود
وتراني امسك بهذه الورقة لأدون فيها بعض الكلمات. سوف أشير لك في النهاية لطرح أي
سؤال فربما تفتح أسئلتك أبوابا مغلقة. اسمح لهم بالدخول بالترتيب الذي قلته.
خرج محمود وأعطي ورقة لأحد الحراس
خارج غرفة المكتب ثم دخل مرة أخرى وأخذ مقعدا جانبيا، دخلت مشيرة وهي فتاة في
نهاية العقد الثاني، ليست فاتنة بالمعنى الحرفي للكلمة ولكن ملامحها جذابة، قمحية
البشرة وشعرها أسود قصير بعض الشيء وترتدي عوينات طبية صغيرة، يبدو عليها القلق
ولكنها متماسكة. يتفحصها خالد لثوان، يتفرس ملامحها، يرى أنها تخفي شيئا لا يعلمه،
ليست ماكرة ولكنها تخفي أمرا. لاحظت هي نظرة خالد الباحثة داخلها عن الحقيقة بينما
لاحظت نظرة محمود إليها وأدركت الفرق، فالأنثى لا يخطأ فهما إطلاقا لنظرات الرجال
إليها. دعاها خالد بابتسامة للجلوس على كرسي مقابل مكتبه
- الأستاذة مشيرة، أليس كذلك؟
- نعم، مشيرة رفعت عبد الغني.
-أخبريني عن عملك وعن المجني عليه (إبراهيم
قاسم العامري)
- أنا أعمل مع الحاج إبراهيم – رحمه الله-منذ
خمسة سنوات تقريبا وأقوم بكل شيء في الشركة منذ طلب أجهزة الكمبيوتر من الشركة في
الخارج حتى تصل إلى المخازن
- هذا يعني أنك كنت مصدر ثقة بالنسبة للحاج
إبراهيم
- نعم، كان يعتمد علي في كل شيء يخص إدارة
الشركة
- حسنا، أخبريني عن كل ما تعرفيه، عن اللذين
يتعامل معهم الحاج إبراهيم، عملاء مثلا أو شركاء أو موظفين أو عمال، أو أصدقاء، كل
من يعمل أو كان يعمل وترك العمل.
- الحاج إبراهيم كان يتعامل مع بعض المكاتب
في توزيع الأجهزة وسوف أحضر كل ملفاتهم غدا لأني لا أتذكرهم جميعا وأتذكر فقط
أسماء من كانوا يتواصلون معي من هذه الشركات سواء سكرتارية أو محاسبة، أيضا لأننا
لم نستورد أجهزة منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، والحاج إبراهيم لم يكن لديه شركاء،
فالشركة ملكا له ويعمل على حد علمي بأمواله الخاصة وكذلك العمارة ملكا له.
- ماذا عن الموظفين؟
- ينتظرون كلهم بالخارج فالحاج إبراهيم لم
يطرد أحدا منذ عملي معه ولم يتركه أحد عمل معه. علاقته جيدة مع الجميع والكل كان
يقدره ويحترمه – رحمه الله.
- لقد قلت إن الاستيراد متوقف منذ ثلاثة
أشهر.
- نعم ونعتمد على مخزون البضائع في المخزن،
وكان المرحوم يقول إنه على وشك إتمام صفقة كبيرة بثمن ممتاز ولكن سبقه الأجل قبل
أن يتمم الصفقة.
- ألا تعرفين أي تفاصيل عن هذه الصفقة؟
- للأسف لا
نظر خالد إلى محمود ليرى إن كان
يريد توجيه أسئلة إلى مشيرة ولكنه أشار إليه بالنفي، فقال لمشيرة
-حسنا يمكنك الانصراف، ولكن سنحتاجك
بالتأكيد.
خرجت مشيرة بعد أن انتهى التحقيق،
تبعها محمود بعينيه وهي لاحظت ذلك فنظرت إليه قبل أن تخرج. لقد شاهدها محمود بشكل
مختلف، قابل كثيرا ولكن تلك الفتاة مختلفة أو هكذا اعتقد بل وكان يؤمن أكثر مع كل
كلمة نطقت بها أثناء التحقيق.
طلب خالد من محمود وضعها تحت
المراقبة دون أن تشعر. ذهب محمود لتنفيذ ما طلبه خالد، ظل خالد ينظر في ورقة بيده
كتب فيها كلمة مشيرة ثم وضع بعض الدوائر حولها ثم تمتم أن كلماتك بسيطة ومباشرة
ولكن أشعر أن هناك ما لم تقوليه ولكن لا داعي للاستعجال إن عادة الجرائم تبدأ
وتنتهي عند المرأة وخاصة أن كانت حسناء وصغيرة.
عاد محمود إلى غرفة مكتب خالد ودخل
الجيران وخرجوا ثم العاملان وخرجا بعد أن تم التحقيق معهم جميعا. دخل المحاسب وخرج
أيضا ثم الحارس
- ماذا تعرف يا عبد الجواد عن المرحوم
إبراهيم، أخبرني عن يومه، متى يستيقظ، متى يذهب للشركة، هل يصلي، هل له أصدقاء يستضيفهم
في شقته، هل كان له أي علاقات نسائية من أي نوع، أنت تعرف من تدخل ومن تخرج.
رد الحارس بحماس
- لا، لقد كان الحاج إبراهيم رحمه الله رجلا
طيبا، يذهب للصلاة يوميا ولكن أحيانا لا يذهب لصلاة الفجر، ليس له أصدقاء يحضرون
إلى شقته، ولا تدخلها أي نساء، العمارة بها عائلات محترمة ولا يخرج أو يدخل أحد
العمارة إلا وأعرفه.
- لقد أخبرت الرائد محمود أنك اكتشفت الجريمة
عندما طلبت منك الآنسة مشيرة الصعود للاطمئنان عليه لأنه لا يرد على الهاتف وذلك
الساعة الثانية عشرة ظهرا تقريبا، أين كنت منذ بداية اليوم؟ كيف صعد القاتل وقام
بالجريمة وخرج دون أن تراه، لابد أنك تركت البوابة لبعض الوقت لشراء طلبات للسكان
أو شيء من هذا القبيل
- لا لم أترك البوابة إطلاقا وزوجتي هي من
تذهب لشراء طلبات السكان فأكثرهم يريدون أشياء من السوق، وقد حذرني الحاج إبراهيم
- رحمه الله - منذ ستة أشهر المرحوم من ترك البوابة لأي سبب والتزمت ولم أتركها
أبدا، ويومها لم أتحرك من مكاني أمام البوابة.
ارتفع صوت خالد وزاد من حدته ثم ضرب
سطح مكتبه بكف يده بقوة حتى أن محمود تفاجأ بذلك
- حسنا، بماذا تفسر دخول وخروج الجاني من
العمارة وأنت لم تراه وتقرير الطبيب الشرعي يقول إن الجريمة تمت قبل اكتشافها
بساعتين، يبدوا أنك تخفي شيئا. أم كان الجاني يرتدي طاقية الإخفاء.
ارتعشت أوصال الحارس وأوشك على
البكاء أو هكذا تظاهر وظل يقول اقتراحات وينفيها
- أقسم أنني صادق ولا أعلم كيف دخل، ممكن أن
يكون أحد السكان، لا، لا يمكن أنهم جميعا محترمون وفي العمارة منذ سنوات.
ثم قال وكأنه تعلق بقشة قبل أن يغرق
- السطح، لابد أنه السطح، الأسطح متجاورة،
ربما قفز من سطح العمارة الخلفية وهي دون حارس
- لماذا فكرت بهذا الأمر؟
- لأنه منذ شهرين أو ثلاثة قفز لص من سطح
العمارة الخلفية ولم يستطع دخول عمارتنا لأن باب السطح الحديدي كان مغلق، وعاد مرة
أخرى إلى تلك العمارة وشاهده أحد الجيران في عمارة مقابلة ومن طابق أعلى من سطحنا
وأخبر الحاج إبراهيم رحمه الله
ثم تغيرت ملامح وجهه وقال
- السطح له باب حديدي ولا يوجد مفتاح له إلا
معي ومع المرحوم وكان رحمه الله يفعل ذلك حتى لا يستخدم السكان السطح في إلقاء أي
مخلفات أو أثاث قديم أو ما شابه ذلك ولا يتركه مفتوحا حتى لا يستخدمه اللصوص في
سرقة العمارة والتسلل إليها
أخذ خالد بطاقة تعريف (كارت شخصي)
من فوق مكتبه وأعطاه للبواب
- حسنا يا عبد الجواد، هذا رقمي، اتصل بي إذا
شاهدت أو تذكرت أي شيء يخص الجريمة وسوف أتركك تغادر لاني اقتنعت أنك بريء وليس لك
يد في الجريمة
أشار خالد إلى محمود فتحرك من مكانه
وجلس أمام المكتب في الكرسي المقابل للحارس وقال:
- أخبرني يا عبد الجواد، ماذا تعرف عن ابن
المرحوم، الموجود في أمريكا
- لقد كان المرحوم يحبه جدا وكان يسافر
لزيارته من حين لآخر وكان يتحدث إليه يوميا في الإنترنت
- كيف عرفت؟
- كنت أحضر له العشاء من السوبر ماركت وأجهزه
له وكنت أراه يتحدث في اللاب تون وارى صورة الأستاذ احمد وكثيرا ما كان يجلس
ينتظره بالساعات ولا يحضر ولكن المرحوم كان طيب القلب ويجد له الف عذر.
- أن اسمه اللاب توب يا عبد الجواد، ولكننا
لم نجد اللاب توب عندما وصلنا للشقة
- كيف؟ ! ! لقد كان يضعه فوق منضدة الطعام
دائما.
- حسنا، يمكنك الانصراف الآن
انصرف البواب بعد أن شكر خالد
ومحمود وظهرت عليه الراحة عندما خرج.
