القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

خريف يتهادى - الفصل الثامن

 8

الحياة جميلة متى حرصنا على تلوينها بألوان زاهية


 


في صباح اليوم التالي وبعد أن تناول عصام إفطاره مع والدته وأخته، نزل بصحبة أخته إلى الشارع وظلا يتحدثان وهما يسيران وابتسمت ياسمين وقالت

- ألم يطرق الحب باب قلبك؟

- الحب، أنت يا صغيرتي تتحدثي عن الحب، لقد كبرت يا ياسمين، حسنا، سأجاوبك، أن الحب يظل هدفا لكل من يحمل قلب ينبض، عندما يولد الإنسان وهو طفل صغير يبحث عن من يحبه فيبادله الحب، من المؤكد أنك لاحظتِ في الطفل الصغير أنك أن أحببتِه وعبرتي عن حبك له باللعب والحلوى وأنت لست حتى من أقاربه فسوف يحبك؛ أن بغضه أبيه ونفر منه وبعد عنه فسوف يبغضه. هكذا يولد الإنسان وهو يبحث عن الحب ويسعى إليه وهكذا في كل مراحله، فالطالب ولدا كان أو بنتا يحب معلمه الذي يحبه ويهتم به دون غيره من المعلمين. يبلغ الإنسان وتتداخل أشياء كثيرة في حكمه على الحب، فحب الرجل ليس كحب الأنثى وحب الفتاة الصغيرة ليس كحب السيدة الكبيرة.

- أنك فيلسوف يا عصام حتى عندما تفكر في الحب، ولكن لم تجاوبني

- الحب الذي تعنيه لم يطرق باب قلبي بعد ولكن أحب أن أقول لك إن بعض الشباب والفتيات يبحثون عن الحب لأنهم يريدون أن يكون لديهم حبيب فقط، لمجرد أن تتفاخر الفتاة بحبيبها أمام صديقاتها، وكذلك هو؛ هذا ليس حبا إنما لهوا. البعض الآخر يتعجل الحب، يبحث عنه، حتى أن الشاب يقول لنفسه أريد أن أحب. ثمة صنف آخر يشعرون أنهم بحاجة إلى الحب، يشعرون بالحاجة إليه وخاصة في وقت وجود مشكلات مع ذويهم. صنف آخر يريد أن يعيش الحالة، حالة الحب، حتى أنه يَهم نفسه أنه وجد الحبيب، ربما كان الطرف الآخر يعلم ويبادله شعوره أو حتى لا يعلم وهذا في غالب الأمر يكون متأثر بالحب الأفلاطوني. أما الحب الحقيقي فهو الذي يخطفك دون سابق إنذار، دون أن تنتظره أو تبحث عنه أو تتمنى حالته، تجد نفسك في منتصف البحر دون أن تدري متى وكيف وأين ركبت المركب. ثمة أشياء إن لم تتواجد مع الحب فلن يصبح حبا ناضجا، فالحب هو الزهرة والرحمة هي أرضها الخصبة والاهتمام هو مائها والوفاء والإخلاص هوائها فإن لم تتواجد هذه الأشياء فكيف تحيا الزهرة.

- الله الله يا فيلسوف، أقسم لك أنني لم أسمع هذا الكلام من قبل

- وما هو الكلام الآخر الذي سمعتيه عن الحب؟

وهنا ظهر قوس قزح على وجه ياسمين علامة على الخجل ولم تستطع الرد، فبادر عصام حتى لا يضطرها إلى قول شيء لا تريده

- حسنا، يا حبيبتي، لن ألح عليكِ في الكلام وان أردت الحديث معي عن أي شيء فكلي آذانا مُصْغِية.

أرادت ياسمين أن تغير الحديث فقالت

- أليست كلي آذان صاغية

ابتسم عصام وقد فهم أنها أرادت أن تغير دفة الحديث

- لا، فالفعل صغى يعني مال، فنقول هو صاغ وهي صاغية،؛ أما «أصغى» فتعني أحسن الاستماع، فنقول هو مُصْغٍ، وهي مصغية.

- ما هذه البلاغة، هل تذاكر النحو دون علمي.

- ما علاقة ما أقوله بالنحو، أنت تحتاجين إلى إعادة المرحلة الإعدادية مرة أخرى،

ثم أضاف باستنكار ممزوج بالسخرية والفكاهة

- ونتعجب لما نجده من أخطاء فادحة في اللغة.

ابتسمت ياسمين وقالت

- اعتذر يا أخي، ولكن لا مجال لإعادة الإعدادية لأننا وصلنا للسيارة. ولا حديث عن أي شيء في السيارة كما نصحتني، وإذا تحدثت في الهاتف فلنختصر في الحديث ولا داعي للثرثرة، فلا داعي لأن يعرف الناس أسرارنا.

- حسنا يا صاحبة العقل الرصين

وصلا إلى بداية الشارع الرئيسي ووجدا سيارة نقل ركاب (ميكروباص) فاستقلاها ثم قال لها عصام قرب الوصول

- سأتصل بك فور أن انتهى من المدرسة لنعود سويا للمنزل، أم تريدين أن تقضي وقت أطول مع صديقاتك

- نعم، أريد أن امكث وقتا أطول معهم اليوم.

وصلت السيارة إلى باب الجامعة، فنزلت ياسمين واستمر عصام بالسيارة حتى وصل لمكان معين في شارع الدقي فنزل عنده واستكمل طريقه سيرا في شارع جانبي. وصل إلى بوابة كبيرة لمدرسة (--). المدرسة عبارة عن بناية كبيرة تنقسم من الداخل إلى فناء واسع كبير، أرضيته مغطاة بالموكيت الشبيه بأرضية الملاعب الرياضية، ويحيط بالفناء مبنى من جميع الاتجاهات مكون من أربعة طوابق غير الطابق الأرضي بحيث إن يكون فناء المدرسة للداخل وليس للخارج، فناء المدرسة ينقسم إلى جزء كبير مربع الشكل به عارضتي مرمى للعب كرة القدم وتوجد أيضا سلة للعب كرة السلة مثبتة داخل الملعب من الجوانب، وجزء آخر صغير مربع الشكل أيضا به بعض الألعاب للأطفال الصغار والجزأين منفصلين بشبكة بلاستيكية مثل شبكة كرة القدم.

دخل عصام إلى المدرسة بعد أن تحدث مع الحارس على البوابة الذي أشار إليه بالتوجه إلى الداخل، في طريقه إلى مكتب مدير المدرسة. دارت عيناه في فناء المدرسة وتحولت بين المباني وشاهد تقسيمها من الداخل ولكنه وجد رجل متوسط الطول، قمحي البشرة، زحف الشيب على رأسه، وجده يبتسم له ويرحب به

- أستاذ عصام، مدرس علم النفس الجديد

تعجب عصام من المفاجئة

- نعم، مرحبا

- لا تتعجب أني عرفتك دون أن تتكلم، فإن زميلك علاء دقيق الوصف، وأنت كما وصفك تماما، أعرفك بنفسي، بهاء الدين مرسي، مدير المدرسة

- مرحبا أستاذ بهاء، سعيد جدا برؤيتك، وهل علاء استلم عمله هنا أيضا

- نعم، لقد حضر أمس وعندما شاهد اسمك في كشف المنقولين إلى المدرسة، تهلل وجهه فرحا وقال فيك قصائد مدح، حتى اشتقت أن أراك

- أن علاء حسني زميل فاضل وصديق عزيز ومعلم قدير

- حسنا، هيا أعرفك على زملائك المتواجدين اليوم وأعطيك جدولك الدراسي، ثم أتركك لتتعرف على المدرسة وأماكن الفصول. ويمكنك أن تغادر وقتما تشاء وغدا لنا اجتماع هام سويا لأمر هام أود أن أناقشه معك.

- لقد شوقتني إلى الغد، لعله خيرا بإذن الله

-حسنا، هو خير بإذن الله.

توجه عصام بصحبة المدير إلى إحدى الغرف بها بعض المعلمين والمعلمات وقال المدير

- أعرفك على المتواجدين الآن من زملائك وغدا تجد البقية

أشار المدير إليهم ثم قدمهم بترتيب الجلوس من اليمين وكان جميعهم يهز رأسه مبتسما علامة على الترحيب بعصام

- الأستاذة عائشة معلمة اللغة العربية، الأستاذة فاطمة معلمة مادة الدراسات الاجتماعية، الأستاذة هدى معلمة مادة اللغة الإنجليزية، الأستاذة سلوى معلمة اللغة الفرنسية، الأستاذ محمد معلم مادة العلوم، الأستاذ سعيد معلم مادة اللغة العربية

ثم قدم لهم عصام تقديما خاصا مشيرا إليه

- الأستاذ عصام زميلكم الجديد، أستاذ مادتي علم النفس والفلسفة، سبقته سيرته العطرة إلى هنا قبل أن يشرفنا، نعوّل عليه في المرحلة القادمة في حل مشكلات نفسية كثيرة لدى الطلاب وسوف يقوم بهذا الدور بمساعدة الأستاذة دينا الإخصائية النفسية

همست هدى إلى سلوى من حسن حظها

ردت سلوى ومن حسن حظه أيضا، أرى أننا سنسمع أخبارا سعيدة قريبا

ظل المدير مع عصام فترة من الوقت ثم انصرف وظل عصام مع زملائه بعد أن تعرف عليهم واصطحبه أحدهم ليعرفه على المدرسة وأحوالها ومشكلاتها. ظهر على عصام التأثر مما سمعه، فلم يكن ما سمعه مجرد وصف للمدرسة بل كان سرد تفصيليا لمشكلاتها وهذا ما بدا على وجه عصام.

 

 


 

التنقل السريع