القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

حلمي حلمك - الفصل الثامن

   

(8)

استمتع بحياتك ، ولا تفكر في المفقود فتفقد الموجود



(عام 2018)

توقفت سيارة أسيل أمام الفيلا وخلفها وقفت سيارة التأمين من شركة الحراسة، ونزل الرجال منها قبل أن تنزل أسيل من سيارتها. خرجت أسيل من السيارة  ثم نزل منها كل من هناء و عزيزة ثم دخلوا الفيلا. شعرت أسيل بارتياح حين وصلت إلى البيت وأغلقت الباب، تنفست بارتياح. أعجبت هناء بجمال الأثاث والديكورات والألوان الهادئة. ظلت هناء واقفة فأشارت أسيل لعزيزة ان تجهز لها غرفتها في الطابق الأرضي بجوار غرفتها، انصرفت عزيزة مسرعة وتوجهت أسيل إلى هناء بالحديث 

- تصرفي على طبيعتك وإذا احتاجت طفلتك أي شيء لا تترددي في ان تخبريني.

- حسنا، لا اجد ما اقول أمام كرمك ولا استطيع أن اصف شعوري.

حضرت عزيزة بعد دقائق وقطعت حوارهما لتخبر أسيل أنها أعدت الغرفة.

ابتسمت أسيل ثم اشارت إلى هناء

- هل تريدين مشاهدة الغرفة التي أعددتها عزيزة؟

تحركت هناء بعد أن ابتسمت بامتنان ورافقتها عزيزة، حتى باب الغرفة  لتجد غرفة جميلة الأثاث و الديكور مثلها مثل باقي الفيلا.

عبرت هناء عن سعادتها ثم التفتت لتجد أسيل خلفها فقالت

- انها جميلة جدا، اشكرك سيدتي على كرمك الزائد معي.

 - لقد أسديتِ لي معروفا بكشف مخطط العصابة نحوي وسوف أحمله في عنقي ليوم الدين، استريحي الآن ولا تفكري بشيء.

خرجت أسيل وتركت هناء مُتفاجئة من كل ما يحدث لها، وكيف تغيرت حياتها بلمح البصر. ثم توجهت أسيل إلى مكتبها الذي يقع بجوار غرفة نومها في الطابق الثاني، دخلته  وأغلقت الباب بعد ان أوصت عزيزة على هناء وطفلتها. أخرجت هاتفها الخلوي ثم أجرت اتصالا.

شارف اليوم على الانتهاء وهي تجلس بغرفتها قلقة تنظر إلى الفراغ ولم تغير ملابسها ثم قامت وخرجت من غرفتها، نزلت إلى الطابق الأول وتحركت ببطء حتى وصلت إلى غرفة هناء وهنا سمعتها بعد ان اقتربت جدا من باب غرفتها

تجلس هناء على سرير محتضنة طفلتها النائمة بأحضانها بكل سلام وقالت لنفسها وهي تحتضن طفلتها. "ربي انقذني مما قد يلحق بي فانا لم افعل إلا الصواب، سامحني على خطاياي، أخشى أن ينتقموا مني، ومن سيكون لهذه البريئة سواك. لست خائفة على نفسي بل على طفلتي من المجهول. نحن نجهل ماذا كتب لنا القدر، نخاف من مستقبل قريب ومن غد مجهول. نطمئن للحظة ونخاف للحظات، نبتسم ثانية ونبكي ساعات.

طرقت أسيل باب غرفة هناء فقامت هناء وجففت دموعها وفتحت الباب لتجد أسيل تشير اليها " هيا اجلسي معنا ولا تخشي شيئا، لقد فعلت الصواب ولن يضيرك الله ابدا، "وهل جزاء الاحسان إلا الاحسان ". ‏كل ندبةٍ في قلبك سيداويها الله ، كل حزن في روحك سيجبره الله ، كل همٍّ في حياتك سيفرجه الله ، كل خيبة أمل حطّمت نفسك سيعوضك الله عنها ، لا تقنطي من رحمة ربك مهما زادت عليك الضغوط ، بعون الله ستتخطي همومك، ستتجاوزي أحزانك، ستحققي أحلامك.أنت تتعاملين مع ربٍّ قدير ورحيم.

في الصالة جلست عزيزة تتناول الشاي مع هناء ودار الحديث بمواضيع شتى ثم اقبلت أسيل من الطابق الثاني واخبرت عزيزة ان اللواء حلمي و اللواء عصمت سيحضران الان وعليها تجهيز بعض الكيك و الشاي والعصائر وطلبت من هناء أن تكون قريبة من غرفة المكتب الكبرى بالدور الارضي حيث تقابل ضيوفها.

دخلت أسيل إلى غرفة المكتب الكبرى بالدور الارضي، شاردة الذهن  ثم انتبهت لسؤال هناء التي دخلت خلفها المكتب

-  هل كل شيء على ما يرام ؟

-  نعم لا تقلقي كل شيء يسير كما خُطط له.

-  الحمد لله انني هنا، حتما قلبوا شقتي رأسا على عقب بحثا عني.

-  نعم أخبرني بذلك اللواء عصمت

- اصبحت خطرا عليهم وسوف ينتقمون مني.

-  لهذا اردت ان تكوني معي للمحافظة على حياتك وحياة طفلتك.

-  لا اعلم كيف اشكرك ولكني خائفة.

- لا داعي للخوف، ستكونين بخير بإذن الله.

- انني اخاف رغم كل شيء ولكن لدي رجاء.

-  ما هو؟

- إذا أصابني مكروه، اوصيك بابنتي اتمنى ان تراعيها وتقومين بتربيتها، لا اريد لها ان تحيا حياة تعيسة مثلي، لقد اخبرتني اني أسديت لك معروفا، ارجوا ان ترديه لي في ابنتي إذا حدث لي مكروها.

صمتت أسيل تفكر لبرهة أشبه بدهر كامل  قبل أن تجيب

- حسنا لك ما طلبتي، ولكن اطردي هذا الوهم من رأسك وحدثيني عن حياتك؟

بدأ الحزن والتأثر الشديد على وجه هناء كأنها استدعت الماضي بآلامه وأحزانه

-  لقد عشت في اسرة فقيرة، نعمل جميعا من اجل لقمة العيش، وأنا عائدة إلى البيت في احد الايام قادمة من العمل وجدت البيت قد هُدم و مات أبي وأمي وبعض اخوتي ولم يبقي غيري انا وأختي سناء وهي تزوجت وتعيش في محافظة اخرى ولم اراها منذ ما يزيد على خمس سنوات. عشت في بيت أحد الأقارب وكان الرجل يعاملني مثل أبنته ولكن زوجته خافت ان ينظر الرجل لي غير نظرة الأب لابنته، فظلت تضايقني حتى تركت البيت وسكنت مع زميلات لي في احدى الشقق بجانب مصنع كنت اعمل به.

ضللت احلم باليوم الذي يأتي الي فارسي ويخطفني على حصانه الأبيض ويعوضني عن حياتي البائسة. وصلت لسن الثامنة عشر وبدأت أرى تغير في نظرات الناس لي، أرى عيون العاملين في المصنع تنهشني كالكلاب الضالة، ليس هم فقط بل في الشارع ايضا. نظرات كل الرجال تغيرت بالنسبة لي. بدأت أسمع كلمات الإطراء والتعبير عن الجمال، كل الكلمات التي أسمعها تصاحبها نظرات إلى مفاتن جسمي. ظللت أقاوم هذا الشعور بالدونية، شعرت كأني لحم رخيص يريده الكل بدون ان يدفع ثمنه. تركت المصنع الذى كنت اعمل به بعد أن استدعاني رئيس العمال في مكتبة وأشاد بعملي وانه سوف يزيد من راتبي وبدأ في تحسس جسمي فعرفت غرضه ونهرته وتركت المصنع. بحثت كثيرا عن عمل أخر حتى سمعت أن أحد المصانع يريد عاملة فذهبت على الفور ورأيته (تبتسم وكأنها تتذكر نظرته إليها)،

كانت نظرته إلي غير التي اعتدتها في عيون الرجال، انه ينظر إلى عيني وليس على جسدي، خطف قلبي وأصبحت لا أفكر إلا فيه وكيف أبدو جميلة في عينيه ولكنه لم يكن ليحتاج لكل هذا، طلبني في مكتبه فهرولت إليه فعبر لي عن اعجابه بي وانه يريد أن نتعرف على بعض أكثر. تلاقينا في الحدائق العامة، شعرت بقيمتي كأنثى لديها مشاعر و أحاسيس وشيئا غير الجسد الذي يلهث وراءه الرجال. تشابكت اصابعنا وتشابكت قلوبنا ايضا، تشبثت به ورايته منقذا لي من هذا الظلام الذي اعيش فيه ، احببته، وكان جديرا بهذا الحب.

قاطعتها أسيل

-  هل طلب أن يتزوجك؟

نعم وقبلت بالطبع ولكنه لم يستطيع أن يقنع اهله، فهو ابن صاحب المصنع وأنا مجرد عاملة وكأنني لا حق لي في الحياة لأنني فقيرة.

-  ماذا فعلتم بعد رفض أهله هذا الزواج ؟

تزوجنا سرا وحين علم والديه بزواجنا ضغطوا عليه ليتركني ورفض وقف بوجههم وشاء القدر أن تنتهي حياته بحادث مؤلم وبعدها حاولوا نزع طفلتي من أحضاني بالقوة. هربت من مسكن إلى أخر حتى اختفيت عنهم، وتركت المصنع وعملت في مصنعك. والحمد لله انني هنا، انا مطمئنة بوجودي بينكم هنا.

- كم كانت حياتك مؤلمة وعلى الرغم من ذلك صمدتِ وقاومتِ من أجل هدف وحيد هو حبك و طفلتك، بالفعل أنت امرأة رائعة.

ابتسمت هناء لها ابتسامة هادئة وصمتت.

طلبت هناء الخروج للاطمئنان على الطفلة وذهبت لإحضارها ثم جلست تتحدث مع عزيزة  بمواضيع مختلفة.

ابتسمت أسيل وهي تنظر إلى الفراغ وتسترجع ابتسامة هناء ونظراتها.

التنقل السريع