7
للسعادة
أبواب كثيرة وأفضل أبوابها بداخلنا
وصل خالد إلى مكتبه بالمديرية وشرع
في استدعاء محمود ثم تذكر استئذانه ليقابل صديقه الإخصائي النفسي لأخذ رأيه في
القضية بعد أن علموا أن علبة الدواء التي وجدوها بجانب القتيل تعني أن صاحبها
يعاني من مرض نفسي. اخرج هاتفه المحمول ثم أجرى اتصال بزوجته يطمئن عليها وعلي
أولاده وأنهى الاتصال ثم أخرج مفكرة صغيرة من درج مكتبه ينظر فيها ثم ارتفع رنين
هاتفه، فظن في البداية أن أحد يتصل به ثم تذكر أن هذا الصوت هو صوت منبه الهاتف المحمول
وليس صوت الجرس فنظر فيه، ظهر عليه بعض الاهتمام وهو ينظر إلى الهاتف المحمول ثم
تمتم وهو يلملم حاجياته بعد أن كان قد أخرجها من سترته وهب واقفا وقال إنه ميعاد
النيابة للإدلاء بأقوالي في القضية السابقة وأرجو ألا أظل هناك للمساء كالمعتاد.
ارتدى سترته وخرج من باب المكتب.
أنهى خالد جولة النيابة التي عاد
منها متأخرا كما كان يخشى، توقف وهو في طريقه إلى المديرية أمام مطعم شعبي بمنطقة
الجيزة لتناول الغداء. وجد عناء في البداية ليجد مكان ليركن سيارته ثم أخيرا وجد
مكانا يكاد يستوعب سيارته، بعد أن انتهى من ركن السيارة بصعوبة نتيجة تكدس
السيارات انشقت الأرض وخرج عفريتا يطلق عليه سايس السيارات قال له خالد بابتسامة
أين كنت وأنا لا أجد مكانا لركن السيارة، تظهر فقط حين تنتهي المشكلة، وتظهر عند
الانصراف لتأخذ المعلوم. لم يعبأ الرجل بكلماته وقال لا، أنا اخذ المعلوم مقدما يا
بيه.
كان السايس لا يرى خالد جيدا وهو
يقول له ذلك، ولكن بعد أن استدار خالد وشاهد المسدس خلف سترته واضحا، علم أنه
ضابط. رجع إلى الخلف وقال وهو يتلعثم في الكلام نهار أسود، لساني طويل يا باشا،
سامحني
انتشر استخدام كلمة باشا بين الناس
لمخاطبة بعضهم بعضا سواء يعرفون بعضا أو لا، وربما تستخدم حين لا يتذكر أحدهم اسم
الآخر أو وجد صعوبة في استرجاع اسمه وهو يلقي عليه التحية أو يخاطبه. كانت كلمة
باشا تقتصر في الماضي القريب على الضباط وذوي المناصب العليا. كلمة باشا لها أصل
تركي وكانت لقب فخر في الدولة العثمانية يمنحه السلطان العثماني إلى السياسيين
البارزين، والجنرالات والشخصيات الهامة والحكام. وتطور استخدام اللفظة حتى اختفى
أصلها وتستخدم حاليا بمعنى التوقير والتفخيم.
نطق بها السايس هنا مخاطبا خالد
طالبا رضاه بعد أن علم هويته. ابتسم خالد ثم أشار إليه أن يقترب منه، شعر الرجل
بالخوف فقال آخر مرة يا باشا فقال خالد وهو يخرج نقود من جيب سترته وقال
- خذ هذا ولكن تحدث بأدب مع الناس، من حظك
أني طويل البال، ولو غير ذلك ف... ولن أكمل، أنت تعرف الباقي
- عارف يا باشا، درس ولن أنساه
اتجه خالد إلى منضدة في ركن المطعم،
جاء إليه النادل فطلب منه ما يشتهي من طعام وظل يدور بعينيه يبحث في وجوه مرتادي
المطعم وهو يتناول الطعام. شاهد بعضهم يتناول الطعام بتؤدة، وآخرون يسابقون الزمن
في طريقة تناولهم الطعام وكأن أحدهم يهددهم ويدفعهم للانتهاء من الطعام بسرعة. ظل
يجول بعينيه بين هؤلاء وهؤلاء حتى وقعت عينيه على رجل كبير السن فعلت به الأيام ما
فعلت، أثقل الهم والفقر ظهره فمال به، كان الرجل يطلب شيئا من رواد المطعم، فكان
هذا يرده وهذا يعطيه، كانت عيني الرجل لا تنظر إلى الأطباق بل أطال النظر إلى
الأسياخ المليئة بالدجاج وهي تتلوى فوق لهب الشواية ورائحة الشواء من شواية الفحم
الأخرى تزكم الأنوف، هَمّ أحد عمال المطعم أن يدفع الرجل للخارج حتى لا يضايق
الزبائن، فقام خالد من مكانه وذهب إلى الرجل واصطحبه حتى المنضدة التي يجلس عليها
ثم طلب له طعام مثلما طلب لنفسه وظل يمازحه حتى ابتسم. شاهد خالد في عيني الرجل دمعة
محبوسة يحرص صاحبها على ألا تفلت منه، ولكن الرجل لم يتحمل الموقف وأفلتت الدمعة
فمسحها سريعا وهو يقول لخالد ربنا يعزك يا ابني. بعد نصف ساعة، نادى خالد النادل
مرة أخرى ليعطيه حساب طعامه وطعام ضيفه وبعض النقود زيادة له، ابتسم النادل لخالد
فربت خالد على كتفه ثم نظر إلى ضيفه وأعطاه بعض النقود واستأذنه لينصرف. قبل أن
يغادر المطعم أعطى الرجل بطاقة تعريف (كارت شخصي ) وطلب منه الاتصال به إذا واجه
أي مشكلة أو احتاج شيئا.
خرج خالد من المطعم، دار بعينيه
باحثا عن السايس فلم يجده، ابتسم وركب سيارته وانطلق بها. فتح خالد راديو السيارة
فسمع المذيعة تقول
هناك الكثير من المشكلات حول مهنة
منادي السيارات أو “السايس”، حيث تسود حاليا حالة من النفور والغضب في الشارع
المصري نظرا لتحول هذا العمل إلى مهنة من لا مهنة له ومصدر رزق دون بذل أي جهد أو
الحصول على شهادة تعليمية. السايس مهنة خرجت من رحم الازدحام اليومي لشوارع
القاهرة وانتقلت تدريجيا إلى المحافظات.
علق خالد قائلا رحم الازدحام تعبير
جميل
كان الصوت مازال يتدفق من الراديو
هذا المنقذ يختفي أثره تماما عندما
لا يكون بمقدوره توفير مكان للركن لكنك تفاجأ به وأنت مغادر بسيارتك يقفز أمامك
يريد مكافأة لا يستحقها ولم يبذل في سبيلها أي جهد.
علق خالد قائلا مثلما حدث معي
تماما.
ضغط خالد ذر الراديو ليغير المحطة
فيجد أغنية غريبة، يرفع حاجبيه ويضغط أكثر من مرة ليصل إلى محطة بها صوت فيروز
المحبب إليه وأغنيتها أنا لحبيبي وحبيبي إلى. استمع وردد كلمات الأغنية
أنا لحبيبي وحبيبي إلي،
يا عصفورة بيضا لا بقي تدينا،
لا يعتب حدا ولا يزعل حدا،
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
ظل خالد يردد كلمات الأغنية وهو
يبتسم ثم أخرج هاتفه المحمول ووضع سماعاته في أذنه وطلب رقما ثم دار هذا الحديث
بينه وبين أمل
- تتذكرين هذه الأغنية (يصمت قليلا لتسمعها)
- نعم وهل أنساها، عرفتك أول مرة وكنت أغنيها
في حفلة بالكلية ورايتك ترددها وتنظر إلى مركزا عينيك في عيني فسمعت صوتك يرددها
بين مئات الحضور، ولا أعرف كيف حضرت حفلة في كلية طب وأنت في كلية الشرطة
- كنت خريجا جديدا، سعيدا ببذلة الضابط، ولكن
عندما رايتك نسيت الدنيا وما فيها ومن فيها، وانتظرتك حتى انتهيت من الأغنية وذهبت
إليك، وسألتك عن فيروز ولم أسمع مما قلتيه شيئا، وكنت أبحث عن الأسئلة لأفتح حوارا
ولا اسمع الإجابة.
- كنت مجنونا، كل صديقاتي لا حظوا ذلك، ولم
أتخلص من همزاتهما وغمزاتهم إلا بعد خطوبتنا
- لم أتأخر وأنقذتك، أسبوع واحد فقط بعد أن
رأيتك بالحفلة ولولا مساعدة الحاج شاكر ما كنت استطعت أن أتقدم لك وأنا خريج جديد.
الأغرب أنه شجعني على الارتباط وهو يعلم أني لا أملك شيئا
- بالتأكيد عرف أنك ولد شقي وأراد أن يقيدك
بالمسئولية
- أجمل قيد ورباط. ما رأيك نستمع إلى فيروز
اليوم سويا
- موافقة، بعد أن ينام الأولاد
- حسنا، يا حياتي
- لكن، ما هذا المزاج المرتفع الذي تتمتع به
اليوم، أين كنت؟
- الزوجة هي الزوجة مهما حدث، حسنا، أنا
عائدا من النيابة واتجه إلى المديرية، ومررت بمطعم وتناولت الغداء
- ألم أحذرك من الأكل بالمطاعم
- كنت جائع جدا والحمد لله أكلت وشعرت بالشبع
- مزاجك تحسن بعد الأكل، هكذا أنتم الرجال،
صدق من قال الطريق إلى قلب الرجل معدته
- لا، معك أنت تعرفين الطريق إلى قلبي
ضحكت أمل كثيرا ثم قالت
- هذا الكلام يمثل خطرا علي قبل أن أقوم
بإجراء عملية بعد دقائق
- حسنا حبيبتي، أنا أيضا أوشكت على الوصول
إلى المديرية.
ودعها خالد وأغلق الهاتف.
