القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

خريف يتهادى - الفصل العاشر

 10

إذا توافقت الأرواح تناغمت القلوب

 


 

وصل عصام إلى المطعم بعد زيارته للمدرسة وكان كلا من كمال ومحمود في انتظاره وما أن شاهداه حتى وقفا وصافحاه في حرارة

- مرحبا أصدقائي

بادر كمال بمصافحته وقال

- مرحبا عصام، كيف حالك

ثم أضاف محمود بابتسامة

- أتعلم يا عصام، لقد أصبحت مهما فجأة، حتى أننا نريدك في موضوعين مختلفين معا في نفس التوقيت، ولكن لا تشعر بالغرور

أبتسم عصام وقال

- ألهذا الحد أصبحت مهما.

إجابة محمود بابتسامة تملأ وجهه

- تقريبا، ولكن لم أكن أعلم أن لعلم النفس هذه الأهمية

- حسنا، هذا يعني أنك تريدني لاني دارس لعلم النفس.

- بالتأكيد نحتاج إلى دراستك وخبرتك

قالها محمود بجدية

- يجب أن تفرق بين علم النفس والطب النفسي، أنا لست طبيبا نفسيا، أنا معلم لمادة علم النفس وتدربت كإخصائي نفسي

اعتدل محمود في جلسته إلى الأمام قليلا بعد أن كان مسترخيا وقال

- وما الفرق بين الطب النفسي وعلم النفس

- نطلب شيئا نشربه أولا حتى يحضر الطعام ثم نتكلم، فيبدو أن الحديث سيطول.

قالها كمال ثم أشار للنادل وطلب ثلاثة أكواب من العصير بعد أن سال أصدقائه عن طلباتهم

استكمل عصام حديثه

- سوف أبسط لكما الأمر، الطب النفسي يهتم بعقل الإنسان ويهتم بفهم وتقييم وتشخيص وعلاج الاضطرابات العقلية مثل الاكتئاب، القلق، الفصام المعروف بالشيزوفرينيا، أما علم النفس يهتم بدراسة العقل والسلوك البشري والدوافع وراء هذا السلوك؛ كيف نفكر، بما نشعر، كيف نتصرف، كيف نتفاعل مع الآخرين.

قال محمود باهتمام

- وهذا ما أريد أن أتناقش فيه معك. أريد أن آخذ رأيك في حل لغز جريمة غامضة حيرت إدارة المباحث بالمديرية وتلقيت تكليف من العقيد خالد شاكر بالانضمام لفريق البحث والتحريات في هذه الجريمة الغامضة، وأريد أن أتناقش معك في هذه الجريمة.

- تفضل، أنا على أتم استعداد. ولكن هل تريد أن أدرس السلوك الذي دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة؟

- الجاني غير معروف ولذا أطرح عليك الأمر، لأني أرى بعض الدلائل التي تشير إلى وجود بُعد نفسي في الجريمة

- حسنا، قُصّ على التفاصيل واي معلومات لديك

- هذا ما سوف أفعله، ( ثم قَصّ عليهم المعلومات التي لديه)

بعد أن انتهى محمود من سرد التفاصيل قال عصام

-أي أن القتيل كان يعرف القاتل؟

- نعم، كان على معرفة به. لا يوجد أي شيء يدل على السرقة حتى الآن، لان المعاينة النهائية والتقارير النهائية لم تنتهي بعد

- ليس هناك ما يدل على سرقة، هذا على حد علمكم، أم تعلمون محتويات الشقة تماما؟

- لا بالطبع لا نعرفها. لا يوجد له أعداء ظاهرين في الصورة، كان شخصا عاديا. لا يتردد عليه أحد سوى عمال الدليفري وعادة يصعد معهم الحارس. قام القاتل بكتابة حروف غريبة على جدران الحائط بدماء القتيل وهذا ما دفعني لاعتقاد أن القاتل مختل عقليا أو مريض نفسيا

- أو بدافع الانتقام

لم يعلق محمود على جملة عصام وواصل حديثه

- وجدنا علبة من دواء -- المهدئ للأعصاب وبتحليل دم القتيل لم نجد أثر للمادة الفعالة في الدواء وهي --، وبهذه النتيجة يكون الدواء يخص القاتل والعلبة عليها آثار دماء ولا توجد بصمات، ومن الواضح أن القاتل كان يرتدي قفاز وخطط لجريمته بدقة متناهية حتى لا يترك وراءه أي أثر.

- هذا كله ليس دليل كافي على أن الدافع نفسي، ربما يكون انتقام مثلا أو سرقة شيء غير معلوم بالنسبة لكم. أنا لا أظن أن الدافع نفسي حتى الآن.

- ماذا تقصد بجملة حتى الآن؟

- أي ربما يكون القاتل بالفعل مريض نفسي وهذا ما دفعه إلى ارتكاب الجريمة.

قاطعهما كمال قائلا

- عذرا، وهل أي مريض نفسي من الممكن أن يرتكب جريمة؟

أجابه عصام

- بالطيع لا، ولكن إذا وصلت حالته إلى مرحلة تصور أشياء لم تحدث من الممكن أن يرتكب جريمة على اثرها فمثلا، إذا كان أحدهم يعاني من الفصام فمن الممكن أن يقتل أحدهم لأنه يتخيل أن هذا الأخير يريد قتله. مريض الصرع ممكن أن يقتل وهو ليس في وعيه، مريض الهوس ممكن أن يقتل دون أن يشعر.

قال محمود

- بهذا التفسير لا يمكن أن يكون القاتل مصاب بمرض نفسي لأنه خطط لجريمته وفعلها بإتقان ولم يترك أي أثر. لقد أثمرت جلستنا عن استبعاد المرض النفسي.

تنهد عصام ثم قال

- ليس بالضبط، فالمريض النفسي من الممكن أن يرتكب جريمة ليس بسبب دوافع نفسية، وإنما يكون عن طريق فعل خاطئ لديه فيه سوء تفاهم، يؤدي به إلى ارتكاب الجريمة، ولذلك فهو في كثير من الأحيان لا يدرك أنه ارتكب جريمة، وإنما تتم الجريمة وهو لا يدرك ذلك من الأساس، وهذا ما يسمى سلوكيات غير سوية، أو اضطرابات نفسية، يكون خلالها هذا المريض غير واع أو مسئول عن تصرفاته التي ارتكبها، لأن الجريمة لا بد من أن يتوافر فيها ركنان أساسيان: الركن المادي معالم الجريمة، والمعنوي: الدافع وراء ارتكاب الجريمة والإرادة الحقيقية لارتكابها، وبالطبع فإن المريض العقلي لا تتوافر فيه هذه الشروط ومن ثم يكون ارتكابه للجريمة بدون وعى أو إدراك لأفعاله التي يقوم بها.

قال كمال

- إذ المرض النفسي لا يؤدي إلى ارتكاب جريمة؟

أجاب عصام مبتسما

- ومن المكن أيضا أن يؤدي المرض النفسي إلى ارتكاب جريمة؛ فمثلا، الشك المرضي من الممكن أن يؤدي إلى ارتكاب جريمة.

قال محمود شاعرا بالحيرة

- لقد احترت، أريد أن توضح لي، هل مرتكب هذه الجريمة من الممكن أن يكون مريض نفسي أم لا، وهل كتابة حروف على أحد جدران الشقة بدم القتيل يشير إلى وجود مرض نفسي؟

- ربما يؤدي المرض النفسي إلى ارتكاب جريمة، فمثلا أن شك الرجل في زوجته فمن الممكن أن يقتلها، ولكنه يخطط لجريمته وينفذها بإتقان في بعض الحالات؛ ربما يكون سببا في ارتكاب جريمة دون تخطيط كمرض الوسواس، كأن يتخيل أحدهم أن أحدا يريد قتله فيبادر هو ويقتله. ربما لا يكون المرض النفسي سببا في ارتكاب جريمة ولكن يعاني المريض من تبعات المرض النفسي واعراضه بعد اقتراف الجريمة كأن ينخرط المريض في ضحك هستيري لا يتوقف بعد ارتكاب جريمة ما. لكن الأثر النفسي يكون جليا في الجريمة إذا كانت جريمة وليدة اللحظة وليس مخطط لها كأن يتوهم المريض أن أحدهم يمسك بسكين ويريد قتله فيدفعه تجاه الشرفة مثلا فيلقى حتفه. أما في هذه الجريمة فلا أعرف، ما سردت من معلومات لا يكفي للحكم على الجاني إن كان مريض نفسي أو لا، أو إذا كان دافعه نفسي أو لا

قاطعة كمال قائلا

- أرى أنه من الممكن أن يكون الجاني ارتكب الجريمة بكامل إرادته وليس مرض نفسي ما دفعه إلى الجريمة وما دفعه إلى كتابة الحروف المبهمة هو نوع من الزهو أو الغرور أو ربما مرض نفسي جعله يفتخر بجريمته. وفي العادة يكون هذا الغرور نوع من الحماقة تكون سببا في كشف جريمته

أضاف عصام

-ربما، رأي يعتد به، اعتقد عليكم بالبحث عن خزينة سرية كان بها أوراق وسُرقت

تحرك محمود قليلا بالكرسي إلى الخلف وقال

- لقد خطر لنا هذا الخاطر ولكن بحثنا ولا يوجد أثر لأي شيء حتى الآن

- حسنا، سأظل أفكر في الأمر وعندما أصل إلى جديد سوف أخبرك.

وفجأة لوح كمال بيده وقال

- حسنا يا أصدقاء لقد جاء دوري لأتحدث إليكم.

ضحك عصام ومال برأسه للخلف وقال

- ما هذه المبالغة التي تتحدث بها، أتظن نفسك فوق المسرح

- لقد انتابتني الجلالة وارى نفسي فوق مسرح كبير أمام جمهوري العزيز، ولكن قبل ذلك سأخبركم أنني عند وعدي وقد طلبت لكم الغداء وسوف يحضروه بعد نصف ساعة من الان فدعني أخبرك بما أريد أن أخبرك به

ضحك ثلاثتهم وبدء عصام حديثة إلى كمال

- ما هو الموضوع الهام أيها الفنان العظيم

بغض النظر عن سخريتك سوف أخبرك، ولكن لي تعليق على موضوع الجريمة، من خلال خبرتي في مجال المحاماة والقضايا والمحاكم، أعتقد أن الغالبية العظمى من الجرائم المخطط لها يكون سببها أما النساء أو المال

- تعني ابحث عن المرأة في المقام الأول

- نعم يا سيادة الرائد، المرأة أولا ثم المال. لنعود إلى الموضوع الأساسي الذي أريد أن أتحدث فيه معك. لقد رأيتم السيد حاتم الهمشري رجل الأعمال والسياسي المعروف في حفل الافتتاح أمس وجلستم سويا، هل فاتحك في شيء يا عصام؟

- لا، أي شيء تقصد

أن هذا الرجل مقبل على انتخابات المحليات ويريد أن نقف بجانبه في الانتخابات

- وما علاقة ذلك بي

أنه يريد عمل ندوات عن موضوع يهتم به الناس، ستكون الندوات في الأندية الاجتماعية والمدارس ومراكز الشباب والمكتبات الكبرى بالمحافظة، فاقترحت عليه أن تقوم أنت يا عصام بإقامة الندوات عن موضوع التنمر وقد أخبرتني من قبل أنك تريد توعية الناس بهذا الخطر وأسبابه وعلاجه.

- نعم، أنه خطر بالفعل ونعاني منه من فترة طويلة ولكن هذه الأيام ظهر هذا المصطلح الجديد التنمر وأُريد أن ننتهز الفرصة ونحاول علاج هذه المشكلة

- بالضبط هذا ما أخبرت به الرجل.

- لكن لي شروط، أن تستمر الندوات سواء نجح في الانتخابات أم لا وأن ننشئ مركز استشاري اجتماعي خيري مجاني لحل مشكلة التنمر

- فكرة جيدة وأعتقد أنه لن يعترض.

أضاف محمود مؤكدا رأي كمال عن عدم اعتراض الهمشري

- اعتقد أنا أيضا أنه لن يعترض، فهو رجل أعمال ويعلم قيمة الخدمة المجتمعية جيدا.

حضر الطعام، واستمر الحديث بينهم أثناء الغداء ثم تناولوا بعض المشروبات وانصرفوا.

التنقل السريع