طفلين
جاء مسرعا إلى
المقهى حيث موعد لقائنا ذلك اليوم، سألته:
- ماذا حدث ولماذا تبدو عيناك زائغتين؟
-سوف أقص عليك ما عندي ولكن لطفا اطلب لي عصير الليمون حتى أهدأ؟
-أخبرني عما حدث، فقد اشتقت لسماع حكايتك اليوم
- صبرا آل ياسر
- حسنا، استرح
- سوف أحكي لك فأنا أشتاق إلى أن أدلو بدلوي
بينما أسير
بشارع التحرير قرب محطة المترو شاهدت طفلين صغيرين جميلي الهيئة، كانا ولدا وبنتا،
تتقارب ملامحهما بشكل كبير يدل على رباط الأخوة بينهما، البنت تبدو في عمر الخمسة
أعوام بينما يصغرها الطفل بقليل. تطل البراءة من عيونهما وهما ينتقلان بين رواد
أحد المقاهي يطلبون "الحسنة" والكلمة الطيبة قبلها أو أنا أظن كذلك.
كانت رشاقة حركاتهما بين الزبائن تدل على أنهما اعتادا ذلك السلوك فلا تظهر عليهما
ملامح الحزن عند سماع كلمات معتادة في مثل هذه المواقف مثل "الله يسهلك"
أو نظرة استهانة بدون كلام، بينما تتغير ملامحهما بمجرد أن يشعر أحدهما بالعطف على
حالهما في ذلك الجو الحار ويعطيهما " اللي فيه القسمة" آملا أن يرحمهما
من ويلات الحر ولهيب الشمس الحارقة.
- لا أرى في حكايتك أي نوع من الغرابة فهذا مشهد متكرر في المقاهي وفي
الشوارع أيضا، حتى أنني أراهم يوميا وأشعر بالعطف تجاههما وأصب اللعنات على من كان
السبب في حرمان هذين الملاكين من طفولتهما السعيدة والزج بهما في براثن الشحاذين
والأفاقين.
- هذه المرة اختلفت عن سابقتها لأنني شاهدت إحدى السيدات
"الهوانم" وهي تجلس داخل سيارتها الفارهة تراقب الطفلين ثم ارتجلت من
سيارتها واقتربت منهما وأغدقت لهما العطاء من المال والشيكولاتة ثم أمسكت يد البنت
ودعتها لركوب السيارة وبالفعل ركبتها بكل براءة وانبهار ولحق بها أخوها الصغير
وملامح الفرحة على وجهه أكسبته طهرا وبراءة، لكن "يا فرحة ما تمت، أخذها
الغراب وطار"
نعم فقد ظهر
الغراب وخطف الفرحة من عيونهما البريئة؛ كان هناك من يراقب الطفلين فخرج رجل أسود
البشرة، بلطجي الملامح من جحره واعترض طريق السيارة قبل أن تتحرك وصرخ، وكان صوت
استغاثة واحد كفيل أن يجمع أمة لا إله إلا الله في أقل من دقيقة حول السيارة وتحول
المكان إلى مسرح كبير لمشاهدة مسرحية "سيدة تسرق طفلين"
- أشعر بالحيرة، هل كان من الأفضل أن يرافقا "الهانم" لتنقذهم
من حياة الذُل هذه، أم ظهور "غراب البين" أنقذهما من مصيرهما بين يدي
سفاحي تجارة الأعضاء التي أرسلت مندوبتها الهانم لتسحبهم إلى مصير مجهول؟
- هل تعرف ما الذي أثار حيرتي أكثر من ذلك كله؟
- ماذا؟
- هو أن الطفلين رفضا ترك السيارة
- أمعقول هذا!؟
- هذا ما حدث بالفعل، ظلا يبكيان حتى أخرجهما الناس من السيارة وذهبوا
جميعا إلى قسم الشرطة، ولكني لاحظت أن غراب البين اختفى وكأنه "فص ملح وداب"
- أشعر بالدهشة والحزن والشجن
ابتسمت من ترادف
ما قاله ثم آثرت الصمت قليلا، تعجبت من غرابة رد فعل الطفلين، وتمتمت في نفسي هل
من سوء حظهما أن الأرض انشقت وخرج الرجل كالعفريت وطالما يستطيع الصراخ والعويل
ولديه من القوة أن يوقف السيارة لماذا يترك وردتين صغيرتين في مهب مطامع الضعفاء
ورياح الحياة القاسية؟ لماذا تركهم عُرضة للرذائل؟
وسألت نفسي وهل
هو المسؤول عنهما أم شخص عادي يعرفهما مثل صديقي ظن أن السيدة ربما تسرقهما؟
عدت لأسأل نفسي
هل من سوء حظهما أن الرجل ظهر ومنع السيدة من تقديم حياة بديلة للطفلين أفضل من
حياة الشحاذة والتسول؟
وهل ستكون
الحياة البديلة أفضل أم مصير مجهول أسوأ من حاضر كان ينتظرهما؟ هل ستكون السيدة إحدى
رسل شياطين تجارة الأعضاء كما نسمع أم إحدى أعضاء عصابات خطف الأطفال؟ لا أعلم على
من أُلقي باللوم؟ أهل الطفلين أم المجتمع؟
هل رفض الطفلين
الخروج من سيارة السيدة كنوع من الفطرة، هل بداخلهما يرفضان التسول ويشعران
بالمهانة من نظرات الناس ويفضلان الحياة الكريمة التي يعتقدان أنهما على بابها؟
أسئلة كثيرة لا
إجابة لها، الحقيقة الوحيدة أن صديقي انصرف وهو يحدثني بلا رد مني، وهذه عادتي حين
أتأمل ودفعت أنا ثمن عصير الليمون.