القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 ذكرى



 تعودت كل عام ونحن نحتفل بذكرى إنشاء شركتنا أن أتحدث إليكم عن الانتماء والتحفيز وما إلى ذلك، لكن اليوم رأيت مشهدا غريبا أحببت أن أقصه عليكم. بينما أركب سيارتي وأمر بها في أحد الميادين رأيت سيارة شخص أعرفه جيدا، شعرت بالدهشة لأنه أوقف السيارة وأنزل منها سيدة متقدمة في السن وعرفت بعد ذلك أنها والدته، حدثت نفسي "جزاه الله خيرا، بالتأكيد يريد أن يخفف عنها بنزهة أو يرويها من هواء الصباح النقي، لكني تذكرت أن الوقت مبكر ولا يتنزه أحد في هذه الساعات المبكرة، وجدته ترك والدته على كرسي متحرك وركب سيارته وانصرف.

اقتربتُ من السيدة المسكينة فوجدتها حزينة، تحدثت معها بعد أن انصرف، كانت ترفض في البداية أن تتحدث حتى لا تفضح سرا كتمته في قلبها ولكني أخبرتها إنني أعرف ولدها وإنه صديقي وأخبرتها عن اسمه كاملا وعمله وعنوان بيته أيضا، فاستجابت في النهاية بعد إلحاح وطلبت مني طلبا بل رجاء ووعدتها بشرفي أن أحققه لها وسوف أخبركم به في نهاية حديثي. عرفت أن ابنها يُحضرها كل يوم في ذلك الميدان ويتركها تتسول ويعود ليلا ليأخذها رغم أنهم يقطنون شقة كبيرة في منطقة راقية وابنها الذي أعرفه ذو منصب مرموق بإحدى الشركات الكبرى ويقبض راتبا كبيرا. أخبرتني السيدة إن هذا كان اقتراح زوجته ولا ذنب له فيه. إنها تدافع عن ابنها رغم ظلمه لها مع أنها ربته حتى أصبح إنسانا ناجحا في عمله وساعدته بمالها ليمتلك شقة وسيارة ويتزوج ممن يريد. بالطبع لو أن هذا الشخص بيننا الآن لتمنى موتي حتى لا يُفضح سره، لكن ماذا سيفعل في الآخرة أمام الله وهو يكشف سره أمام الخلائق. لقد أحضرت هذه السيدة بالكرسي المتحرك لتسمعوا منها".

 كان المتكلم هو المهندس نبيل وهو المدير الإقليمي لشركة كبيرة جدا بالقاهرة، إذا كان هناك من يراقب المشهد من بعيد فسوف يلاحظ أن جميع الحاضرين قد تهادت الدموع في عيونهم، إلا أن هناك شخص واحد (مهندس طارق) قد تحول وجهه إلى ألوان قوس قزح وارتفعت حرارته حتى أنه لا يتحمل ارتداء رابطة العنق رغم أن القاعة مكيفة بالطبع، وضربات قلبه تسمعها أنت بينما تقرأ هذه السطور.

دخل أحدهم من باب القاعة وهو يشد كرسيا متحركا وظهر الكرسي ناحية الصالة. بالطبع كان طارق يشعر ببوادر الجلطة الدماغية عند رؤية هذا المشهد. وإذا بالرجل يدير الكرسي ويظهر تمثال عليه نفس إيشارب (وشاح أو طرحة) السيدة العجوز.

ضجت الصالة بالهمهمة غير مدركين لما يحدث.

استطرد مهندس نبيل: " أردت أن أحضر السيدة لكنها رفضت حتى لا تُحرج ابنها، إنه قلب الأم يا سادة "

اغرورقت عينا مهندس نبيل بالدموع وأفلتت دمعة وبللت وجنتيه ثم أضاف:

"أتعلمون ماذا طلبت مني ووعدتها بشرفي أن أحققه لها، لقد طلبت مني ألا أفضح ابنها لما علمت أنني صديقه "

أخرج مهندس نبيل منديلا وجفف دموعا سالت رغما عنه وكذلك أغلب الحاضرين، ثم أضاف:

"لا تعليق، لا أجد ما أقوله سوى حسبي الله ونعم الوكيل "

وغادر القاعة وكذلك غادر الحضور وأنتهي اللقاء

التنقل السريع