نصفي الآخر
ذهبت إلى أحد "المولات" التجارية مع صديقتي
منى وهند لشراء ملابس جديدة استعدادا لحفل خطوبتي. تعرفت على شريف قبل
ذلك اليوم بشهرين تقريبا في عيد ميلاد هند. كان متألقا في ذلك
اليوم وكنت بين صديقاتي ألاحظ متابعته لي بنظراته المتلاحقة ثم اقترب إلينا وقدمته
هند لنا على أنه ابن عمها. ظل يراقب حركات عيني ويطاردني بنظراته حتى استطاع
أن يلفت نظري ويشغل تفكيري. في اليوم التالي، فوجئت به يتصل بي ويخبرني أنه
يريد أن يقابلني ولم أسأله من أين له برقم هاتفي فبالتأكيد كان ذلك عن طريق هند. رفضت بالطبع أن
أخرج لأقابله فأنا لا أقابل الغرباء. حاول مرات ومرات وكان عدم الرد على الهاتف
هو ردي الوحيد عليه. بعد أسبوع تقريبا طرق باب بيتنا ليطلب يدي، بالطبع وافقت بعد أن نجح أن
يشغل تفكيري بمحاولاته المستميتة للتعرف علي والتقرب مني.
دخلت أحد محلات الملابس في ذلك المول
واخترت بعض الملابس التي ناسبتني. قضينا وقتا طويلا نتنقل بين المحلات لنختار من كل
بستان زهرة حتى انتهيت من شراء كل احتياجاتي فلم يكن هناك وقت يفصلنا عن موعد
الخطبة المفاجئ سوى يومين فقط؛ يوم للـ"كوافير" ويوم لإعداد المنزل
وتجهيزه لاستقبال الضيوف وإلقاء نظرة أخيرة على القاعة التي ستستقبل حفل الخطبة
بها. تحمّل أبي نيابة
عني أنا وشريف عناء البحث عن قاعة الأفراح المناسبة حتى وجد ما يناسب عدد المدعوين
والإمكانيات المادية.
اقترحت منى أن نتناول بعض الطعام في أحد
المطاعم داخل المول. دخلنا المطعم ونحن نحمل ما اشتريناه وفجأة وجدت هند قد تغير لونها كمن
أصيبت بصاعقة كهربائية حولت وجهها إلى اللون الأصفر ثم توقفت منى كذلك عن السير
وكأنها تمثال من الجرانيت، نظرت في نفس الاتجاه الذي كانتا تنظران إليه فعرفت
السبب، كان شريف يجلس في المطعم وبجواره فتاة أحاط خصرها بيده ويميل إليها بين
الحين والحين ليهمس لها وتخيلته يحكي لها عن تلك المخبولة التي تسابق الزمن لتستعد
ليوم خطبتها وكانت بالطبع تضحك بصوت مرتفع. رأيت الأحداث
تتصارع والمشاهد تتابع أمام عيني وصورته وهو يهمس لها وصوت ضحكاتها الرنانة آخر ما
سمعته في ذلك اليوم. لم أدر ما حدث بعد ذلك الموقف ولكن منى سردت لي ما تم يومها فلم تفارقني
حتى أفقت بينما هند أوصلتنا إلى المنزل واختفت خجلا من ابن عمها وما فعله. أخبرتني منى أنني
أصبت بإغماء وسقطت أرضا وكانت منى جالسة على الأرض ورأسي فوق صدرها وهند تمسك ببعض
أكياس الملابس التي قمنا بشرائها وعينها على باقي الأكياس، أتخيل تلك المعاناة. أضافت منى " صرخت بمجرد إغمائك
واقترب منا زبائن المطعم وهرع إلينا شريف وقد أدرك أننا شاهدناه في ذلك الموقف
المخجل فصرخت في وجهه هند وطالبته بأن يختفي من الوجود في تلك اللحظة حتى لا تقع
عيناك عليه بعد أن تستردي وعيك. عرضت كثير من الفتيات المساعدة وساعدت بعضهن في
حمل الأكياس ثم اقترب شاب مهذب وعرض علينا المساعدة وأن يوصلنا بسيارته إلى بيتك
ومع إصراره طلبت منه هويته الشخصية فأخرجها مع هوية القيادة بكل أدب وقمت
بتصوريهما بكاميرا الهاتف المحمول وأرسلت الصور إلى أختي ثم وافقت على مضض أن
يوصلنا. استطعنا بمعاونة
الفتيات أن ننقلك إلى سيارته ثم أوصلنا إلى بيتك. أثناء الطريق،
سألنا عن سبب الإغماء فقصت عليه هند الحكاية كاملة" انتهت منى من سرد
قصة الشاب ولكن القصة لم تنته معي عند ذلك الحد؛ ففي اليوم التالي حضر إلى بيتنا
ليطمئن علي. قابله والدي بترحاب
وشكره على جميل صنعه معي أنا وصديقاتي ولاحظت إعجابه الشديد به عندما دخل إلى
غرفتي ليطلب مني أن أذهب إليه في غرفة الضيوف لأشكره. دخلت عليه وقد
غلبتني الدهشة من زيارته أولا ومن إعجاب أبي الشديد به من الوهلة الأولى ثانيا،
ولكن الرجفة التي انتابتني أزالت دهشتي وأصابتني نظرات عينيه بسهام كيوبيد، كانت
سهاما متلاحقة ولم تكن سهما واحدا فتزايدت نبضات قلبي حتى ظننتها تملأ الغرفة
ويسمعها الجيران، وتلعثم لساني وأنا أشكره على موقفه النبيل حتى سيطر علي سؤال
واحد " ماذا حدث بالضبط؟". لم أنتظر الإجابة
فأسرعت إلى غرفتي دون أن أستأذنه، أسرع إلي أبي يسألني عن سبب تصرفي فأجبته أنني
لا أعرف فابتسم وخرج عائدا إلى الضيف.
بعد دقائق، عاد أبي إلى غرفتي وقد أشرقت
شمس الصباح في وجهه فأذابت ثلوج الليلة الماضية وأخبرني أن أمجد، وهذا اسمه، طلب
يدي. أصابتني الكلمات
بما أصابتني النظرات من قبل فلم أجد ما أقوله، كرر أبي السؤال فلم أرد. اقترب أبي ثم قال " أعلم أن الموقف
شديد الغرابة يا ابنتي ولكن الله إذا أراد تعجب الكون من عطائه، لقد شاء الله أن
يبدلك خيرا ممن خذلك، إنها دعوات والدتك التي لم تذق عيناها النوم منذ أمس ولم
تفارقهما الدموع، أمجد يريد أن تتم الخطبة في نفس موعدها ". تركت أبي ثم اتجهت
إلى أمجد بغرفة الضيوف لأساله عن سبب طلبه هذا ولأخبره أنني لا أحب الشفقة، عندما
دخلت عليه قابلني بابتسامة زلزلت أعماقي وأخرست لساني وتركت عيناي تنظر إليه، فقال
ولم ينتظر"
أتؤمنين بالقدر " فقلت "نعم" فقال " قدر لي أن أراك
بالأمس فتملكين قلبي وأنت نائمة فقلت لنفسي ماذا ستفعلين بي وأنت بين يدي". هربت من أمامه قبل
أن أتعلق برقبته وأعاتبه على ظهور هلاله متأخرا في سمائي.
