القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 ساعي البريد



أستدعي حكاية ساعي البريد من غياهب ذاكرتي فلا يوجد الآن ساعي البريد بنفس المعنى الذي كان قديما بالطبع. كنا نجلس ذات يوم حول المائدة لتناول طعام الغداء وإذا بصوت ينادي باسم جدي" حاج عبد الهادي"، قبل أن أسترسل في حكاية ساعي البريد وما تم سوف أقدم لكم جدي لوالدي الحاج "عبد الهادي". كان جدي رحمه الله – في ذلك الوقت- قد تجاوز السبعين خريفا ولكنه كان يحتفظ بحيوية ونشاط شاب عشريني من شباب هذه الأيام، ودائما ما كان يضحك ساخرا عندما كان يشاهد والدي مصابا بالإرهاق قائلا "رجالة السمنة الصناعي مش زي رجالة السمنة البلدي". كان جدي يعيش مع عمي الأكبر وزوجته في بيت العائلة بعد أن توفيت جدتي رحمها الله، كان فلاحا مصريا أصيلا، وكثيرا ما كان يروي لنا حكايات عن شبابه أيام الإنجليز ثم الملك ثم الثورة أيام عبد الناصر والسادات. كان كلما ذكر تلك الأيام تنهد وقال" كانت أياما كلها خير". كان يروي لنا الأحداث بكامل تفاصيلها وكأنه يراها أمامه، إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على ذاكرته الحديدية رغم عمره المتقدم.

نعود إلى ساعي البريد، سمع جدي صوته ينادي فأجابه دون أن يتحرك من مكانه بيننا " تعالى يا عبد الصمد". دخل عبد الصمد المنزل وجلس إلى الطعام دون دعوة فنظر جدي إلينا وفسر لنا تلقائية الرجل على أنه صديق قديم " عشرة عمر"، كما أعرب عن تقديره للرجل وسعادته كلما رآه لأنه يجلب له أخبار الأحباب وقد اعتاد على اختيار وقت الغداء للحضور إليه بأخباره السعيدة لأن وقت الغداء هو وقت وجود اللحوم. انتهينا من الطعام فقام جدي وعبد الصمد خلفه وبعد غسل الأيدي استقرا على أريكة خشبية أمام الدار. أسرعت إلى جوار جدي وكنت في الحادية أو الثانية عشرة من عمري آنذاك. سمعت جدي يسأله عن أخبار الأحباب فتهلل وجه عبد الصمد وقدم إليه الخطابات التي يحملها إليه. فض جدي أظرف الخطابات بيديه وبدأ يقرأ ما فيها بعينيه دون أن يتكلم ثم ابتسم فأسرع عبد الصمد بإعطائه قلما وبعض الورق وقام جدي بكتابة بعض الردود على الخطابات وكنت قد ابتعدت قليلا كما علمني أبي. أعطى جدي للساعي الأوراق وأخرج بعض النقود من جيب الجلابية وأعطاها له، تمنع الرجل في البداية ثم أخذها وانصرف بعد حوار قصير عن آخر الأخبار في البلد. سألت جدي عن فرحته بعبد الصمد ومن هم الأحباب الذين تحدث عنهم فأخبرني أنهم أصدقاؤه القدامى الذين تركوا البلد ورحلوا إلى المدينة بينما فضل هو أن يقيم فيها بين عائلته ليرعى أرضه ورفض حياة المدينة وصخبها والوظيفة الحكومية التي سعى إليها أصدقاؤه. أخبرني أنهم يبثون إليه ضيق الحياة في المدينة وما يعانونه فيها وقد فقدت حياتهم طعمها الحلو فأصبحت شكلا بلا طعم مثل "السمنة الصناعي".

لاحظ جدي حرصي على الجلوس بجانبه والاستماع إليه فسألني لماذا لا ألعب مع أقراني فأخبرته أنني أحب أن أستمتع بكل دقيقة أكون معه فيها فأقراني موجودون دائما أما هو فلا أراه إلا كل فترة عندما نزوره في بيته. ابتسم جدي وربت على كتفي وقال " أنت حبيب جدك". سألته لماذا لم يلتحق بالوظيفة فأخبرني أن أصدقاءه كانوا يسعون إلى الراتب الشهري الثابت المنتظم وهذا ما فضلوه أما هو فقد فضل العمل الحر الذي يعطي الإنسان على قدر عطائه له بعد توفيق الله عز وجل. ابتسم قليلا ثم أضاف أنه لا يوجد موظف شريف حقق ثروة طائلة من عمله الوظيفي. تناول جدي رشفة من كوب الشاي المغلي الذي أعدته له زوجة عمي ثم ابتسم وقال لي " لا تكن كساعي البريد، تقوم بتوصيل المال من يد الصراف إلى يد البقال والجزار وغيرهم دون أن تتذوق حلاوة هذا المال وتستمتع به كما يوصل ساعي البريد الرسائل دون أن يرى ما فيها من أفراح وأتراح". كانت نصيحة جدي نقطة تحول في حياتي فلم أسع خلف الوظيفة واتجهت للعمل الحر، وكلما أقابل أي مصاعب في عملي أتذكر كلمة جدي ونصيحته " لا تكن كساعي البريد" 

التنقل السريع