القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 فليبق الأمل

في ليلة عاصفة، كان صوت الرعد يتردد في السماء والأرض وضوء البرق يثير الرعب والأمطار الغزيرة تسمع أصوات قطراتها وهي تتساقط فوق زجاج شرفة عيادتي، أذنت إلى مساعدي ليسرع إلى بيته حتى لا أتحمل ذنبه إن حدث له أي مكروه، حيث كانت عيادتي بمنطقة نائية بإحدى الضواحي بأطراف العاصمة. التقطت متعلقاتي وأغلقت باب العيادة خلفي، وفجأة وجدتُ شيئا اتشح بالسواد قادما نحوي، لا أدرى كيف تملكتني الشجاعة ولم أفكر في الهرب. حاولت الثبات ونجحت في ذلك، اقترب ذلك الشبح الأسود مني فعدّلت من عويناتي الطبية ورأيتها بوضوح عندما اقتربت. كانت سيدة بلغت من الكبر عِتيا وكانت تبكي ثم اقتربت أكثر وقالت إن ابنها مريض جدا وزوجها سافر إلى محافظة أخرى ليعمل بها ولا تدري ماذا تفعل وتخشى أن يصيب ابنها مكروه. طلبت السيدة مني أن أذهب معها إلى البيت لأعالج ابنها، فهو لا يستطيع السير من شدة الألم ولا توجد وسيلة نقل في تلك الليلة العاصفة ولا تقوى على حمله. كانت تبكي واختلط كلامها ببكائها ودموعها بقطرات المطر فلم أستطع تمييز هذه من تلك.

وصلنا بالقرب من منزل السيدة بسيارتي بعد رحلة شاقة بالسيارة واضطررت بعدها أن أترك السيارة وأقطع المسافة المتبقية سيرا على الأقدام لأن الشوارع ضيقة للغاية. وصلنا إلى بيت عتيق وصعدنا درجات السلم حتى وصلنا إلى سطح البيت وأشارت السيدة إلى غرفة صغيرة ثم أسرعت السيدة من خطواتها لتسبقني وتفتح الغرفة. كان هناك شاب يرقد في أحد أركان الغرفة وهو يتأوه من شدة الألم وبجانبه فتاة صغيرة تضع له كمادات المياه الباردة على جبينه، قدمتها السيدة على أنها ابنتها الصغيرة، سألتها عن اسمها فقالت " أنا أمل"، قلت لها مداعبا إياها لكي تكف عن بكائها "فليبق الأمل يا أمل" فابتسمت. تفحصت الولد وأعطيته بعض مسكنات الألم ثم طلبت من والدته أن تساعدني لنقله إلى المستشفى لإجراء عملية عاجلة له لا يمكن تأجيلها. واجهتني صعوبات بالغة حتى وصلت إلى المستشفى وأجريت له العملية الجراحية ووفقني الله ونجحت، انتظرت حتى استرد الولد وعيه واطمأننت عليه. سألتني السيدة على استحياء عن أجري ورسوم المستشفى، فأخبرتها أن المستشفى بالمجان وأن أجري هدية مني لأبنائها، وبالطبع لن أستطيع أن أصف لكم كمّ الفرحة التي غمرت السيدة وكم الدعوات التي انهالت علي. توجهت إلى مدير المستشفى وكان صديقا قديما وأخبرته بالحالة فتكفل بتكلفة العملية. رأيت السعادة تُنير وجه السيدة بعد أن اطمأنت على ابنها وصحبتهم إلى المنزل كما جئت بهم."

كانت هذه كلمة أحد الأطباء الكبار في ملتقى أقامته إحدى النقابات. استطرد الرجل وكان الجميع ينصتون لكلمته:

هكذا لابد للطبيب أن يكون رحيما فنحن رسل الرحمة إلى هذا العالم، إلى الإنسانية. عليكم معشر الأطباء أن تعالجوا المرضى وتساعدوهم حتى شفائهم، لا تفرقوا بين غني وفقير، أبيض وأسود، رجل وامرأة، طفل وشيخ، إنها رسالتنا التي لا تتجزأ. إنها أقرب المهن إلى الله، تُقربنا منه وتُطلعنا على معجزاته في خلقه. أنصتوا إلى تكملة القصة لتعلموا أن فعل الخير لا يضيع".

كان الجميع صامتا، منتبها إلى الطبيب وهو يستكمل كلمته:

"بعد تلك الحادثة بما يقرب من خمسة وعشرين عاما، وذات يوم شعرت بألم يهاجمني فأسرع بي أبنائي إلى المستشفى وبعد كثير من الأشعة والتحاليل أخبر الأطباء أولادي أن ورما خبيثا تمكن مني ولا يوجد علاج له إلا في مستشفى استثمارية كبيرة ويتكلف ملايين الجنيهات. أسرع كل أبنائي وبناتي وأزواجهن، كل في طريقه يحاول أن يجمع ما يستطيع، وعندما عادوا كانت بشائر خيبة الأمل تطل من وجوههم وساد الحزن بينهم وخيم عليهم فحاولت أن أزيل عنهم هذا الحمل وأخبرتهم أنني رجل كبير وكدت أكمل أنني اكتفيت من الحياة واكتفت الحياة مني ولكن زوجتي وضعت يدها فوق فمي لكيلا أكمل حديثي. ما هي إلا دقائق وحضر بعض الأطباء وبدأوا في ترتيبات نقلي إلى مكان آخر وأخبر أحد الأطباء زوجتي أنهم سوف ينقلونني إلى تلك المستشفى الاستثمارية الكبيرة. تعجبت زوجتي وقالت لهم " نحن لا نقدر على تكلفة العلاج بها" فأخبرها الطبيب أن رسوم المستشفى والعملية كاملة حتى الشفاء التام قد دُفعت، ولما سألته ومن دفعها أخبرها أنه لا يعلم. نقلوني بالفعل وتمت العملية الجراحية ومكثت ما يقرب من عشرين يوما والكل يسأل من دفع التكلفة والكل يقول لا أعرف. تعافيت بحمد الله وكنت على وشك الخروج من المستشفى ففوجئت بفتاة رقيقة تقترب مني قائلة " فليبق الأمل يا أمل". لم أتذكر تلك الجملة في تلك اللحظة ولكنها ذكرتني بالحادثة التي مر عليها أكثر من خمس وعشرين عاما ولما سألتها كيف؟ قالت " لقد أنقذت حياة أخي عمر الذي ظل يرعاني بعد وفاة أبي وأمي ويعمل بكل اجتهاد حتى حصلت على درجة الماجستير في تخصص أمراض الدم وتوجهت بتشجيع من عمر للحصول على الدكتوراه من جامعة "بريستول" في بريطانيا. بعد حصولي على درجة الدكتوراه، تم ترشيحي للعمل بإحدى دول الخليج وهذا التخصص من التخصصات النادرة التي لا يتعدى أطباؤه المائة طبيب على مستوى هذه البلد. بدأت شهرتي تنتشر حتى تعرفت على أحد الأثرياء هناك وتزوجته وافتتح لي مستشفى خاص هناك ثم عدت إلى بلدي وأول من تتبعت أخباره هو الطبيب الإنسان العظيم الذي أنقذ حياة أخي الذي ساعدني وشجعني لأصل لما أنا فيه الآن". شكرت لها جميل صُنعها وطلبت منها ألا تنسى الآخرين الفقراء، فابتسمت وقالت " أنا منهم فكيف أنساهم، لا تقلق فقد خصصت يومين في الأسبوع لاستقبال غير القادرين وأعلن عن ذلك ليعرف الجميع". إلى هنا انتهت حكاية الخير، إنه الخير، إذا فعلته عاد إليك وإن كنت لا تدري، ويبقى الأمل في الخير إلى الأبد.

أنهى الرجل كلمته وضجت القاعة بالتصفيق واختلطت الابتسامات بالدموع. وقمت أنا وبصحبتي أختي أمل ولثمت رأسها وأنا أردد" فليبق الأمل يا أمل".

التنقل السريع