ضي القمر
- كل بنت بتحلم بواحد تمسك ايديه وتمشي جنبه في
الشارع وتقول لكل الناس "ده حبيبي، ده خطيبي، ده جوزي. كلهم عندهم نفس
الحلم إلا أنا
- وليه ميكونش عندك
نفس الحلم زيهم ؟
- مين هيتجوز واحده
عاميه
- متقسيش أوي على
نفسك يا رانيا
- أنا مش قاسية، أنا
واقعيه، والوقت هيثبتلك
- إن شاء الله هتكوني غلطانه
نزفت عيناه دمعا
وكان يجلس بالقرب منها على منضدة بجوارها وهي لا تشعر به. نظر أحمد إلى حسام
الذي شرع يخرج منديلا ليخفي أثار دموعه وقد فهم من نظرة أحمد أنهم سينصرفون، أسرع
قبلهم ليحضر سيارته بينما أخرج أحمد نقودا وأشار للنادل، أمسك يدها وساعدها على
الوقوف. كان يحبس دموعه حتى
لا تشعر به. خرجا من المطعم ثم
تظاهر أحمد أنه يشير إلى تاكسي، رفع صوته "تاكسي، تاكسي" وكانت سيارة حسام
تتجه إليهما، ساعدها أحمد لتجلس بداخل السيارة وجلس بجوارها. همست إليه " مش من عادتك تقعد
جنبي وتسيب جنب السواق فاضي". ابتسم حسام بينما ارتبك أحمد، ولكن حسام
حرك شفتيه ففهم أنه يقصد كلمة عجوز، فقال على الفور وهو يهمس إليها "السواق عجوز وهيصدع
لي دماغي، أنت عارفة الناس الكبار". ابتسمت وهمست إليه "يا أخي حرام عليك
دي ناس بركة".
قال أحمد للسائق (حسام): عاوزين نروح 18شارع رياض
المهندسين، أجابه حسام وقد حاول تغيير صوته "على البركة"، انطلقت السيارة
وارتفع رنين هاتف أحمد وجاءه صوت والدته تطمئن على رانيا فطمأنها وتطرق إلى حديث
آخر، بينما كان حسام ينظر من حين لآخر إلى رانيا في مرآة وسط السيارة وهي ترتدي
النظارة السوداء التي حجبت عينيها الجميلتين التي طالما تغزل فيهما من قبل. كانت عيناه تذرف
دمعا وقد تحولتا إلى لون الدم. شعر بالعطف تجاهها بعد أن لاحظ ضمادات العين تحت
النظارة. ظل ينظر تارة إليها
وتارة إلى الطريق وذكرياته معها تمر أمام عينيه كشريط السينما.
وصلوا إلى العنوان
وساعدها أحمد لكي تنزل من السيارة واتجها إلى عيادة الطبيب في هذا العنوان وخلفهما
حسام. دخلوا العيادة،
قابلتهم الممرضة ورحبت برانيا ثم صحبتها لعمل فحص ببعض الأجهزة قبل الدخول للطبيب. نظر أحمد إلى حسام
وقال:
-أنا سيبتك تشوفها
وتسمع الكلام اللي على طول بتقوله عشان تعرف هي بتعاني قد إيه وفاقده الأمل في كل
حاجة، حتى الدكتور بنجيله بعد محايلة وإلحاح وتهديد من ماما إنها مش هتاخد دوا
السكر لو رانيا مراحتش للدكتور
حاول حسام أن
يتماسك وقال:
- مكنتش متخيل إن
حالها وصل للدرجة دي، وإن يأسها وصلها إنها تقولي "مش عايزه أعرفك
تاني أنا عايزة أعيش حياتي وباقي الكلام اللي إنت عارفه.
تنهد أحمد وقال بعد
أن اعتدل في جلسته على أريكة بالعيادة وكان حسام ينظر إليه:
- قالتلك كده عشان تبعد عنها ومتشوفهاش في
الحالة دي، عشان متتعذبش معاها.
تنهد أحمد واستطرد:
- مش معنى كده إني
بوجهك عشان تكمل حياتك معاها، مش معنى إنها أختي إني أشجعك على إنك تعيش معاها،
إنت صاحبي، لازم تكون مقتنع إنك تقدر تكمل، تتحمل، تكون نور عنيها اللي فقدته. عشان صاحبي لازم
أنصحك، فكر كويس عشان لو أخدت قرار متندمش عليه.
غطى حسام وجهه
بيديه وقال هامسا:
- عندك حق، لازم أفكر كويس، كويس جدا قبل ما أخد
قرار.
سمع أحمد همسه فمال إليه ثم همس:
- خد وقتك وفكر يا صاحبي.
وقف حسام ثم صافح أحمد وانصرف. خرجت رانيا بمساعدة الممرضة وهي تبتسم. نظر إليها أحمد بعد
أن قام وساعدها على الجلوس، سألها عن أخبار الفحص، فأخبرته أن الممرضة طمأنتها
وأجرت لها فحوصات قبل العملية وستنتظر الطبيب ليقوم بالكشف عليها ويحدد معادها. أخبرها أحمد أن
حسام انصرف فابتسمت وقالت:
- أنا عارفة مش هيرجع تاني
- طب ليه صممتي يشوفك وأنتي في الحالة دي
رسمت ابتسامة ساخرة على وجهها وقالت:
- حبيت أديله الفرصة أنه يختار، أقدمله سبب إنه يسيبني
تعجب أحمد من قولها وقال:
- يعني إيه تقدمي له سبب عشان يسيبك؟
حافظت على ابتسامتها الساخرة وقالت:
- تخيل لو مقولتش
لحسام وافترقنا، ومعرفش حاجة عن الحادثة، كنت فى نظره هفضل البنت المجنونة اللي
فركشت خطوبتها وسابت اللي بيحبها عشان تسافر وتعيش حياتها ومتشيلش مسؤولية، هتعذب
في حياتي مرتين، وهو هيعيش طول عمره يندم على الوقت اللي قضاه معايا واليوم اللي
شافني فيه. تخيلت لو خفيت
ورجعت أشوف تاني وحسام عرف اللي كنت فيه، كان ممكن يلومني على إني معرفتوش ويقولي
أنا كنت هقف جانبك. أنا الوقت قدمتله الفرصة إنه يختار، لو عايز يسيبني، يبقى قدمتله سبب
مقنع، لو اختار يكمل حياته معايا يبقي أثبت لي إنه قد حبي، وقد المسؤولية.
ظهرت على أحمد علامات الحيرة والاقتناع وقال :
- كلامك منطقي، بس أحيانا المنطق والواقع بيكون صعب الاحتمال.
رسمت ابتسامتها الساخرة مرة أخرى وقالت:
- مهما يكون الواقع صعب فالمواجهة أفضل شيء عشان نتعايش معاه، أما الهروب
من المواجهة فيزيد الواقع صعوبة ويزيد الألم مرارة.
نظر إليها أحمد وعيناه تفيضان شفقة عليها وقال محاولا رسم ابتسامة على
وجهه:
-إيه يا بنتي حكمة
وفلسفة سقراط ولا أرسطو
اللي نزلت عليكي مرة واحدة كده
ابتسمت قليلا ثم غابت الابتسامة واختفت خلف سحابة حزن كست وجهها وقالت:
- لما عنيه فجأة غرقت في ظلام واسع ، وأنا اللي كنت بحب الحياة، كنت هغرق
وتموت كل حاجة جوايا، لكن لقيت المنقذ الوحيد ليا هو خيالي، ركزت إني أسترجع كل حاجة
عنيه سجلتها قبل ما تروح مني، وبقيت أشوفها بخيالي كأني شايفاها بعنيه.
تذكر أحمد شيئا فضرب جبهته بيده وقال:
- إزاي نسيت أقولك؛ الدكتور كان سعيد جدا لما قولتيله إنك بتشوفي ضوء
زي ضي القمر ساعات لما تبصي للسما بالنهار.
ابتسمت وقالت بلامبالاة:
-أنت عارف إن أكتر حاجة كنت بحبها هي ضي القمر لما ينور السما
ارتعشت فجأة عندما أمسك حسام يديها وقد عاد في هذه اللحظة وقال:
- والله أنتي ضي
القمر اللي بينور حياتي، أنا خرجت بره وقعدت في العربية مش عشان أفكر زي أحمد ما قالي،
لأ، عشان أبكي بصوت عالي على كل لحظة معشتهاش معاكي من بعد الحادثة، أبكي على كل
لحظة صدقت إن رانيا اللي أعرفها أكتر من نفسي ممكن تبقي أنانية ومش قد المسؤولية،
صدقت وداني وكدبت قلبي.
ضحكت برقة رغم الدموع التي بللت وجهها
وقالت:
- لو راجع عشان صعبت.......
قاطعها حسام ووضع يده على فمها لتصمت وقال:
أنا راجع مش عشانك، لا، راجع عشاني، عشان مش هقدر أعيش من غير ضي القمر
اللي بينور حياتي.
