القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 





اليد الطيبة

انتهى السائق من جمع الأجرة ثم انطلق بالسيارة وانطلقت من فمه طلقات اللعنات والسُباب بسبب الاختلاف على الأجرة بينه وبين باقي الركاب. كعادتي في المواصلات، التزمت الصمت وجلست بالقرب من الشباك، لم أجد مكانا في المقعد قبل الأخير الذي أفضله فجلست في المقعد الأخير الذي يستوعب ثلاثة ركاب. جلست بجانبي سيدة في العقد الخامس من العمر وابنتها في العقد الثاني. كانت ملامح السيدة طيبة وهادئة. تحركت السيارة وتحركت معها عيون الركاب بين ناظر من الشباك الذي بجانبه وبين متلهف على جهاز الهاتف المحمول الذي بيده . مرت ثوان وسمعت الفتاة تهمس إلى والدتها وقد مالت إليها وجذبتها برفق من ملابسها:
– 
ماما ، ماذا تفعلين؟

ابتسمت الأم ابتسامة رقيقة وكانت قد أخرجت خيطا وإبرة وهمت بإصلاح ظهر المقعد الممزق أمامها ولكنها توقفت ونظرت لابنتها وقالت:

أصلح ما أفسده الآخرون
ازداد غيظ الفتاة وعقدت حاجبيها وقالت:
 –
وما لنا وما فعله الآخرون ؟
تداركت الأم غضب ابنتها وقالت وهي لا تزال تحافظ على ابتسامتها:
يا ابنتي هذه سيارة يركبها الجميع، وإذا تركنا قماش المقعد مقطوعا هكذا فسوف يكبر القطع ويفسد المقعد كله ويتشوه المنظر
هدأت الفتاة قليلا وحاولت تبرير اعتراضها فقالت:
إن السائق عصبي وحدثنا بطريقة سيئة
شرعت الأم تتهيأ للقيام بما عزمت عليه وقالت:
وإن كان هادئا، هل توافقين على إصلاح المقعد
لم تجد الفتاة ردا مناسبا ونظرت أمامها متذمرة . في الطريق عرج السائق على محطة وقود لأنه اكتشف أن وقود السيارة لن يكفيه في الطريق، قال بصوت مرتفع وهو يحول عجلة القيادة أعتذر يا سادة فالبنزين لن يكفي والسيارة تحتاج إلى ماء أيضا”. أوقف السيارة أمام ماكينة وقود وشرع يساعد العامل في وضع خرطوم الوقود داخل خزان الوقود بالسيارة. شاهد السائق عبر زجاج الشباك الخلفي ما فعلته السيدة وحياكتها للكرسي المقطوع فنظر إلي، وقد كنت أتابعه، وابتسم ثم قال بصوت مرتفع:
سلمت يداك يا سيدتي ، فاليد الطيبة طيبة
تلفت الركاب جميعهم إلى السيدة وهم يتساءلون عما فعلت فقلت لهم وأنا أبتسم

 ”لقد أصلحت ما أفسده الآخرون وحاكت قماش المقعد المقطوع وأصلحته” .
تعالت صيحات المباركين، بينما فضل آخرون الصمت. مرت ثوان قليلة وتوجه السائق إلى عجلة القيادة ثم مد يده ببعض النقود للراكب الجالس خلفه وقال:
هذا هو فرق النقود الذي اختلفنا عليه في البداية فلا يقابل المعروف إلا بالمعروف ولقد بادرت السيدة الطيبة بالإحسان إلي ” .
همهم الركاب مسرورين بما فعله السائق وشكروه وتعالت الصيحات بالشكر والتقدير للسيدة. نظرت الفتاة إلى الأم وابتسمت وقالت :
 –
أتعلم منك يا أمي كل يوم شيئا جديدا
ضحكت الأم وهي تضمها قليلا إليها وقالت:
– 
وماذا تعلمت اليوم يا قرة عيني
ابتسمت وهي تقبل يدها وقالت
– 
تعلمت أن اليد الطيبة طيبة


 

التنقل السريع