الفتاة والبخور
كانت ثمة فتاة
تتنقل بين المحلات وبيدها المبخرة وهي عبارة عن موقد بخور أو وعاء به بعض الفحم
الساخن ويوضع فوقه بعض البخور ليخرج رائحة عطرة، تعرض على زبائنها أن تبخر لهم
محلاتهم من أجل البركة مقابل ما يجودون به. دخلت وخرجت من
محلات كثيرة دون أن تقول غير الجملة المشهورة التي يرددونها أصحاب تلك المهنة "صل على النبي". الكل عرف مقصدها
دون أن تعرض فقد أصبحت معروفة بين هؤلاء، منهم من يعطيها "اللي فيه القسمة" ومنهم من يجيبها "الله يسهلك"
هي تعرفهم جيدا،
تعرف من يعطيها النقود ومن يعطيها الدعاء ومع ذلك لا تكل ولا تمل من عرض خدماتها. كانت الأمور مختلفة
في ذلك اليوم فقد كانت أرزاق تبكي، نعم لا تتعجب فهذا اسمها "أرزاق"، ربما فكر والدها
في هذا الاسم تبركا به أو ربما كان اسم الشهرة لأجل الصنعة مثل صبي الميكانيكي
الذي يطلقون عليه "بِلية"، فكل صِبية
الميكانيكي هم "بِلية" وكل السائقين هم "أشرف". في ذلك اليوم، كان
وجه أرزاق مبللا من كثرة البكاء، تعمل وهي تبكي وتمسح دموعها كلما اقتربت من الناس
بملابسها. كانت تتنقل بين
زبائنها وعيناها زائغة كأنها تبحث عن شيء. استوقفتها وسألتها
عما يبكيها فقالت إن أخيها الصغير قد تاه منها وهي منهمكة في صد عدوان أحد
البلطجية "
الواد خاف من البلطجي ليضربه فجري وهو ميعرفش المكان كويس" سألتها لماذا لم
تبحث عنه فقالت إنها بحثت عنه كثيرا ولا جدوى. ولما سألتها لماذا
توقفت عن البحث فقالت" لو روحت من غير المعلوم -أي النقود- مش هسلم من أذاه"، ولما سألتها من
تقصدين، أجابت "أبي" ثم أضافت " لازم أرجع
بالاثنين، أخويا والمعلوم" أو مش هروح خالص ويبقى أحسن لكن أنا بحب
أخويا وعاوزه ألاقيه، خايفة يقع في إيدين ولاد الحرام". أدهشني ردها ولما
سألتها عن كينونة " أولاد الحرام الذين تعنيهم فأخبرتني أنهم تجار الأعضاء. قالتها وبكت ثم بكت
أكثر وكأنها تخيلت مصيره إذا وقع بين أيديهم، وأضافت "ساعدوني ألاقي
أخويا" ثم شرعت في البكاء
مرة أخرى. حاولت تهدئتها ثم
أخرجت نقودا لأعطيها لها فرفضت بشدة، فعرضت أن أحضر لها طعاما فوافقت وقالت "لازم أبخرك بتمنهم
وزيادة "
ثم شرعت في وضع البخور فوق الفحم الساخن وقربته من المنضدة التي أجلس
عليها، نسيت أن أخبركم أنني كنت جالسا في أحد المقاهي التي تستغفلنا وتجلسنا في
الشارع وتأخذ ثمن ذلك. ارتفعت أدخنة البخور وكأن "سيارة الناموس" - وهكذا كنا نطلق
عليها ونحن صغار- وكانت عبارة عن سيارة تجوب القرى في الماضي لقتل الناموس وتخلف سحبا
كثيفة من الدخان، قد عادت مرة أخرى ونشرت دخانها مرة أخرى حولي، اختنقت بالطبع من
ذلك البخور المقيت ولكن تحملته كي لا تغضب وتذهب بعيدا فقد أردت مساعدتها. طلبت منها أن
تعطيني أوصافه وتمنيت لو أن معها صورة له لنشرها على الفيسبوك في صفحة مخصصة
للمفقودين. نطقت أرزاق كلماتي
بطريقة مضحكة مثل "فستوك بدلا من فيسبوك" فابتسمت لتلقائيتها. حدثتني حديث القلب
للقلب عن أخيها أيمن، الذراع الأيمن لها وتعتبره أخاها وصديقها ورجلها في المستقبل
الذي سيدافع عنها ويحميها من البلطجية، تنهدت وقالت " العيال فاكرني لقمة
سهله، ما أنا بالنسبة لهم لؤطة، دمور بافتة ما اتدبش فيه مقص وكسَيبه، ويضمنوا
لقمه ونومه"
ثم عادت وتذكرت أخاها وظلت تبكي بصمت وفي هذه الأثناء أحضر سيد صاحب "عربة الكبدة " الراسخة بالقرب من
ناصية المقهى بعض السندوتشات، عذرا مرة أخري فقد نسيت أن أخبركم أنني طلبت لها
سندوتشات من سيد و"حاجة ساقعة" من نادل المقهى، اعذروني فهي الذاكرة التي هرمت مثلي. أخذت أرزاق
سندوتشات الكبدة والحاجة الساقعة وشكرتني، وضعتهم في حقيبتها وهمت لتغادر. سألتها لماذا لم
تتناولهم الآن، أجابتني بشيء من الثقة " حاسة إني شامة ريحة أيمن". دعوت الله أن تجد
أيمن وأخبرتها أن تبحث عن صورة له وتحضرها لي لأنشرها. وعدتني بذلك وهمت
بالانصراف ولكنها توقفت وصرخت "أيمن، أيمن" وأسرعت وعيناها
دامعة ووجهها مبتسم لتحتضن أخاها الذي أسرع إليها وألقى بنفسه بين ذراعيها وكان
لقاء حارا ومشاعر أخوة جياشة بين الشقيقين. نظرت إليه ثم لطمته
بشدة وهي تبكي وتضحك وقالت " متعملش كدة تاني، أنا كنت هموت" ثم أخرجت
السندوتشات وأعطتها له. سألت أيمن كيف عرف مكان أخته فقال "شميت ريحتها" وفسر ذلك بكلمات
متقطعة استخلصت منها أنه كان يشاهد شجار أخته مع "سوسكا" البلطجي وحاول أن
يساعدها فأمسك حجرا من الأرض وقذفه تجاه سوسكا فأصابه في رأسه فانتبه له مساعد
سوسكا وحاول ضربه فهرب منه وظل يجري دون أن ينظر خلفه حتى وجد نفسه في منطقة أخرى
لا يعرفها. حاول أن يعود من
نفس الطريق معتمدا على نفسه فظل يمشي وهو يسأل الناس عن "البنت بتاعة البخور" حتى أتعبه السير
وجلس يبكي فوق الرصيف وهو يرى عيون الناس تنظر إليه بلا مبالاة، وكلما حاول
الاقتراب من أحدهم ليسأله عن أخته، ابتعد عنه كأنه رأى عقربا. فجأة، شم رائحة
البخور فأسرع ناحيتها ليجد وطنه الذي فقده برهة من الزمن.
