رضاك فقط
عاد أبي متأخرا في
ذلك اليوم، كان مهموما على غير عادته. ألقى السلام علينا أنا وإخوتي ثم جلس
صامتا بضع دقائق ليستريح من عناء صعود السلم، ثم قام وأخذ نفسا عميقا وذهب إلى
غرفته دون أن يزيد كلمة واحدة. مرت دقائق وعادت والدتي من عند خالتي التي تسكن
بالشقة التي تعلو شقتنا. سألت أمي عن أبي فأخبرتها أنه جاء مهموما صامتا ثم
دخل إلى غرفته.
ما هي إلى لحظات وخرج أبي متجها إلى الحمام ليأخذ حمامه المعتاد قبل
العشاء.
هكذا كان الروتين
اليومي الذي اعتاد أن يفعله دون كلل أو ملل، وكان يقول لنا عندما نطلب منه أن
يستريح قليلا "
أنا أفعل ذلك بسعادة، أحب أن أرى ضحكتكم عند عودتي فهي تكفيني وتعالج أي
ألم أشعر به".
ذات مساء جلس يسامرنا وقال" أبنائي، أتمنى أن أراكم أفضل مني، وأفعل
ما بوسعي لكي تكونوا كذلك، ربما ليس لدي الكثير لكي أقدمه لكم، لكن تأكدوا أن هذا
كل ما بوسعي".
أبي بالنسبة لي هو عالمي الذي أرى فيه ما لا أراه في غيره، مثال حي
للعطاء بلا حدود، يتحرك أمامي وأعيش تفاصيله. شعرت بالضجر كثيرا
من نصائحه ولكن تبين لي بعد ذلك أنه على حق، وكذلك الآباء ينصحون من واقع خبرتهم،
ونعاندهم بسبب حماقتنا.
أخبرت والدتي أن
أبي يحمل هما كبيرا على عاتقه أثقل ظهره فلم أر ضحكته وابتسامته المعتادة. أخبرتني أمي أن
لديه مشكلات في عمله ثم ابتسمت وقالت " هذا أمر طبيعي ويحدث لنا جميعا ولكن
ترمومتر إحساسك بأبيكِ مرتفع دائما، ليتك تخصينني بترمومتر مثله". راق لي كلامها الذي
تختاره ليناسب تخصصي في الطب، بينما تنتقي التعبيرات التي تناسب أخي طالب الهندسة
فتقول له"
كن كالمسطرة المدرجة في تفكيرك ولا تكن مثل "البرجل" الذي يلف حول نقطة
ثابتة". أمي خريجة التجارة
هي أكثر من رأيت حكمة في تدبير شؤون المنزل.
لم تمر كلماتي على
مسامعها مرور الكرام، بل أرادت فقط أن تبعث في قلبي الطمأنينة تجاه والدي فهي تعرف
مدى تعلقي به وحبي له. خرج والدي من حمامه واستبدل ملابسه في غرفته ثم خرج إلينا في غرفة الصالة
وجلس إلى سفرة الطعام. شرعت أمي تلاطفنا جميعا ثم استلم أخي محمود منها الراية فبدأ يحكي لنا
مواقف مضحكة عن أصدقائه وزملائه. بدأ أبي يبتسم فأسرعت والدتي تعد له كوب الشاي
الذي يفضل أن يتناوله بعد انتهاء الطعام مباشرة، حتى أنها لم تكمل طعامها. أحضرت له الشاي ثم
أسرعت إلى الداخل وخرجت بعد ثوان وفي يديها حقيبة أخرجت منها حذاء جديدا كانت قد
ادخرت من مصروف البيت لتشتريه له. قدمت إليه الحذاء وهي تبتسم فنظر إليها وقال " لماذا لم تشتري
لنفسك؟ "
فقالت له " أنت تحتاج إليه أكثر مني، وأنا لا أريد إلا رضاك فقط". تهللت أساريره فقد
كانت كلماتها بلسما شفى جراحه وهمومه. شردت قليلا ثم أفقت على همس أختي سلوى وهي
تقول " ما أجمل أن تجد من
يفعل ما بوسعه لكي يرضيك، بل ما أجمل أن يسعى حبيبك لينال رضاك، فقط رضاك هو كل
همه وغايته وسبب فرحته."
