القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة


أكتب كلماتي وأرسلها من خلال برنامج الماسنجر الخاص بالفيسبوك وتأتيني ردوده كذلك

- هل حقا صورتي راقت لك؟

- بالطبع

- ولكنها ليست صورتي، إنها لممثلة مشهورة

تسود فترة من الصمت

- حقا، إن صوتك صور لي أنك تشبهين هذه الصورة، لابد أنك جميلة مثلها

- بالفعل، إنها تشبهني ولكنني لست جميلة مثلها

- بل أنت أجمل بروحك الطيبة المرحة، كفى أن تقبلي صداقتي رغم كآبة كلماتي، ولكن الحياة أصبحت أجمل بعد أن تزينت بك

- كفى هذه الكلمات الرقيقة، سأرسل لك صورتي الحقيقية

- لست مهتما بصورتك، فقط روحك الطيبة، جمال الشكل يزول بفعل الزمن وما يبقى هو جمال الروح، لن أقتني بورتريه لأضعه في صالة شقتي، بل سأختار روحا ترافقني حياتي

- كفى هذا القدر اليوم، لو استمرت كلماتك الجميلة تمطر أذني فأخشى أن أقفز داخل الكمبيوتر لأرى ذلك الفيلسوف الرومانسي الفنان الذي بداخلك، ألن ترسل لي صورتك لأراك؟

- أريد أن أقابلك لتشاهديني على الطبيعة حتى لا أرسل لكِ صورة ممثل وأقول لك أنا هو كما تفعلين بي

- حسنا، سوف أرسل لك عنوان الكافيه الذي أفضل أن أتناول الغداء فيه غدا

انتهى الحديث الأخير بيننا هذه المرة كما انتهى مرات عديدة، وفي كل مرة كنت أرسل إليه صورة على أنها صورتي ثم أفصح له عن حقيقة أنها صورة فنانة أو مجرد صورة على الانترنت. 

في تلك المرة الأخيرة شعرت بشفقة عليه من كثرة ما أرسلت له صورا غير حقيقية وكنت أحسده على طول باله واتساع صدره، ولكن بعد أن طلب مقابلتي عرفت هدفه، إنه ككل الشباب، يكون طويل البال حتى ينال مراده ثم يتحول للنقيض، عرفت أن هدفه الرئيسي ليس شكلي وإنما شيء آخر. كنت أتوقع شيئا كهذا، أشعر بفداحة خطئي، فكيف أتحدث مع أحد لا أعرفه عبر الانترنت وكيف أستمر معه في الحديث يوما بعد الآخر حتى يتجرأ ويطلب أن يراني، ولكن حب المغامرة ومعرفة حقيقته سيطرا علي وقررت أن أقابله ولكن بطريقتي الخاصة ودون أن يشعر أنني هي لأراه على حقيقته.

 أرسلت له تفاصيل أحد الكافيهات الذي أعرفه تماما، ذهبت قبل الموعد بفترة طويلة وجعلت هاتفي صامتا وأخرجت كتابا وتظاهرت بالقراءة بينما أراقب باب الكافيه لأرى ذلك الوغد الذي نجح في إثارة فضولي لأراه. قرب الموعد، دخل شابان وسيمان من باب الكافيه، كان واضحا أن أحدهما كفيف والآخر صديقه الذي يوجهه، اقتربا من منضدة بجوار منضدتي وجلس الكفيف ثم همس إليه صديقه وتركه وخرج. 

ظل الكفيف ينتظر وهو يضع ساعة يده على أذنيه بين الحين والآخر ليحدد الوقت. كان مبتسما هادئا يتحسس متعلقاته بين الحين والآخر، مر الوقت المحدد لحضور ذلك الوغد الذي أنتظره، حاولت أن أتظاهر بالقراءة ولكن عيني على ذلك الوسيم الكفيف، بدأ يتوتر وظهر ذلك التوتر في رعشة يديه وهو يتحسس هاتفه، ظل يداعب الهاتف لابد أنه يجري بعض المكالمات، نظرت بداخل حقيبتي فإذا بهاتفي يرن، يا الله إنه هو. 

لم أتردد في وضع حقيبتي بجواري وكأن شيئا لم يكن. كان الموقف صعبا للغاية، ليس لدي وقت للتفكير أو اتخاذ القرار السليم. أمسك هاتفه وأجرى مكالمة ما همسا فحضر الشخص الآخر على الفور فقال له بصوت كان مرتفعا بالقدر الكافي لكي أسمعه "هيا يا جاسر، لن أستطيع أن أضعها في هذا الاختيار الصعب، أحببتها من مجرد صوتها، جميلة كانت أو دميمة لن يضايقني ذلك في شيء ولكن حقيقتي هي ما سوف تضايقها، لماذا أضعها في هذا الاختبار الصعب، الحمد لله أنها تأخرت أو لم تأتي، من الواضح أنه قُدر لي أن أحيا وحيدا، فليس من حق أمثالي أن يحيوا حياة طبيعية مع من أحبوا حتى أصواتهم". ظهر الضيق والحزن على وجه جاسر وهو يوجه رفيقه وخرجا من باب المطعم. لم أملك الشجاعة الكافية لأكشف لهما حقيقة أمري. لقد اخترت حينما فضلت الصمت، اخترت ألا أضع نفسي في ذلك الاختبار الصعب. 

التنقل السريع