
ذات مساء
ذهبت مع أختيّ الصغيرتين "هنا وعُلا " وخالتي إلى أحد
المولات للتسوق واعتبرناها فرصة للنزهة لنسعد هاتين الصغيرتين. طلبت صغيرتي علا أن
أحضر لها "
أيس كريم" من أحد المحلات في الطابق الأرضي للمول، هاتان التوأمان، اللتان لم تبلغا
العام الخامس، هما حياتي الأخرى التي أهرب إليها حين أشعر بالملل أو الحزن.
أصرت أمي، صباح ذلك اليوم، أن تصحب أبي في زيارة خالته في محافظة أخرى وتركتني مع صغيرتي عند خالتي لكي ترعانا. كانت خالة والدي قد خرجت لتوها من عملية خطيرة ولم يعلم والدي إلا بعد خروجها ولو كان قد علم لذهب إليها ومكث بين يديها حتى تعافت فهي بالنسبة له مثل والدته فقد قامت بتربيته بعد وفاة جدتي رحمها الله.
كانت حالة أبي مثيرة للشفقة عندما تلقى خبر دخول خالته المستشفى فلم
تستطع أمي أن تتركه بمفرده وهو في هذه الحالة، وهي من ناحية أخرى أوصت خالتي أن
ترعانا حتى حضورها، رغم أنه لا داعي لذلك فقد بلغت الثانية والعشرون من العمر
وأستطيع أن أتكفل برعاية أختيّ بمفردي.
نعود إلى المول وما حدث في ذلك المساء؛ تركت "هنا" مع خالتي ونزلت إلى الطابق الأرضي لكي أحضر الـ "أيس كريم" لعُلا. كان المحل مزدحماً، ولكن في النهاية بلغنا هدفنا واشتريت الـ "أيس كريم" لنا جميعا. عندما خرجت من المحل مع عُلا وجدت شابا اقترب منا، تشبثت بيد علا وأسرعت من خطواتي ولكن الشاب لم يتوقف عن اللحاق بنا ولم يستسلم وبدأ يلاحقني بكلمات الغزل العفيف في البداية ثم تحولت كلماته إلى لون آخر من الغزل الصريح وتطور إلى سوء أدب.
ولم يستغرق هذا
التطور السريع سوى دقيقة أو أقل حتى أنني لم أصل المصعد بعد للصعود إلى الطابق
الثالث للحاق بخالتي. لم أتحمل أكثر من ذلك فتوقفت وبدأت أرفع بالصراخ في وجهه مطالبة إياه بأن
يبتعد عني. بدأ الناس يتجمعون
وسمع أمن المول صوتي المرتفع وهذا الحشد الذي بدأ يلفت الأنظار وقد أوشك أن يصبح
تجمهرا. بدأ العرق يتساقط
من جبين الشاب بشدة واكتست بشرته باللون الأصفر وأصابته رعشة المجرم الذي تم القبض
عليه، مع اقتراب الأمن حاول الصمود واستجماع قوته ثم اقترب مني ولطمني بشدة وبشكل
مفاجئ، ثم صاح بصوت عال " إنتي طالق طالق طالق " ثم شق الصفوف
المتجمعة بيديه وهو يأخذ نفسا عميقا وانطلق من بينهم كالسهم.
عقدت الدهشة لساني ولم أتفوه إلا بعبارة " طالق!! إزاي". اقتربت بعض السيدات
مني لتواسيني إحداهن مرة وتلومني مرة أخرى لأنني " أخرجت الرجل عن
شعوره وأوصلته إلى مرحلة من الغضب حتى طلقني ثلاثا" على حد قولها. تطوعت إحداهن قائلة
" لا، هذه تحتسب طلقة
واحدة، لأن الطلقات الثلاث لابد أن يفصل بينهما فاصل زمني واضح "؛ أشارت إحداهن إلى
عُلا وهي تقول "
وماذا ستفعلين بطفلتك هذه، من الواضح أنكما تزوجتما صغارا " ردت أخرى " وهذا هو الزواج
المبكر.. لا يتحمل الزوجان
مسؤولية طفلة كهذه ".
تحول الموقف إلى نقاشات حول شرعية وقوع
الطلاق وهل هي ثلاثة أم واحدة وحول الطفلة المسكينة التي ستُحرم من والدها. كانت حالتي بين
الدهشة والصدمة التي عقدت لساني. مشاعر كثيرة سيطرت علي في تلك اللحظة ولم أفعل
شيئا غير تكرار جملة " طالق!!
إزاي!!"
التي اعتبرها الناس نتيجة عدم توقعي ردة فعل زوجي المزعوم في تلك اللحظة،
كنت أكررها وأرى علامات الشفقة تتزايد في وجوه من حولي.
شعرت خالتي بالقلق لما تأخرت وزاد من
قلقها عند حضورها أنها وجدتني واقفةً وأنا أمسك بيد عُلا في منتصف المول وبعض
السيدات حولي يواسينني، هرعت إليّ وقد تملكها القلق وتساءلت عما حدث، أجابت إحداهن
وحكت لها ما شاهدته منذ بداية المشهد حتى وصلت إلى قولها " لقد طلقها زوجها" فلم تتمالك خالتي
نفسها وقالت "
طلقها إزاي" ثم انفجرت ضاحكة. استنكرت السيدات ضحك خالتي في مثل هذا التوقيت،
ولكنها أدركت الموقف وأخبرتهم أنني غير متزوجة وأن هذه البنت هي أختي وليست ابنتي
ولابد أن هناك شيئا خاطئا في هذا الموقف. بدأت لحظتها أعود إلى عالم الواقع بعد أن
ذهبت بي الصدمة إلى عالم أخر. أوضحت لهن الموقف كاملا بكل تفاصيله من بداية شراء
" الأيس كريم " حتى " إنتي طالق".
سيطرت حالة من هستيريا الضحك على السيدات
اللاتي سمعن الموقف كاملا وانصرفن وهن يضربن كفا بكف، لا أعرف إن كان ذلك تعجبا أم
إعجابا بقدرة زوجي المزعوم على الخروج من الموقف بهذا التصرف الغريب والمبتكر. عدنا إلى المنزل
وخالتي تنظر إلي بين الحين والحين وتنفجر ضاحكة مرة ثم تُتمتم بصوت عال مرة أخرى " كل البنات يذهبن
إلى المولات للنزهة وتعود بعضهن بالعرسان يلهثون خلفهن أما أنتِ فقد عُدتِ منه
مطلقة وتعولين".
أصبحت هذه ذكرى سعيدة وغريبة بالنسبة لي وأتندر بها بين صديقاتي ولكن ما
كان يحزنني فيها تلك اللطمة من ذلك المجنون.