ذهبت، كعادتي كل فترة، إلى دار للأيتام
تقع في نفس المنطقة التي أسكن بها. قبل الذهاب إلى هناك اتصلت بصديقاتي اللاتي تعودن
الذهاب معي لزيارة الدار وأبدى عدد كثير منهن استعداده للذهاب معي في تلك المرة. كنا نحمل الكثير من
الهدايا والملابس ولعب الأطفال واستقبلتنا مديرة الدار بابتسامتها الجميلة ورحبت
بنا كثيرا، وكانت تردد دعوتها الجميلة التي اعتدنا سماعها كلما ذهبنا إلى هناك " أسعدكن الله كما
تسعدن هؤلاء الأيتام"
استغرقنا وقتا طويلا في اللعب مع الأطفال
وتوزيع الهدايا عليهم ثم جاء موعد الحكاية وكانت صديقتي هند تجيد الحكي فجمعتهم
وشرعت تحكي لهم قصة جميلة واندمجنا جميعا في حكايتها حتى صديقاتي ومشرفات الدار. ارتفع رنين هاتفي
فأخذت جانبا بعيدا لأتحدث في الهاتف. بعد الانتهاء من المكالمة وجدت طفلا جميلا
يقترب من سن العاشرة يقف بجانبي مبتسما ثم سألني عن اسمي وأخبرته به ولم يعطني
فرصة سؤاله عن اسمه فقال على الفور "هل عندك فيسبوك" تعجبت من السؤال
ولكن غلبني فضولي لأعرف ماذا يريد فأخبرته أن لدي حساب على الفيسبوك ولي أصدقاء
كثيرون أيضا أتواصل معهم من خلاله. قال " أريد منك أن توصلي كلامي إلى كل الناس على
الفيسبوك".
ابتسمت وسألته عن الكلام الذي يريد أن يوصله للناس فقال على الفور " أنا طفل يتيم ليس
لي أب أو أم وهذا ليس ذنبي، من الممكن أن يكونوا قد ماتوا وربما يتمتعون بحياتهم
ولا يتذكرون أن لهم ابنا محروما من عاطفة الأب وحبه ومن صدر الأم وحنانها، رغم
أننا هنا في الدار نجد الحب من الجميع وحتى ممن يحضرون لزيارتنا ولكن بالتأكيد
يختلف حب الأم والأب عن حب كل الناس"
ابتسم ثم نظر إلي واستكمل كلامه:
" تتعجبين كيف عرفت ذلك رغم أنني لم أعرف
معنى حب الأم والأب لأبنائهم ولكني أراه في عيونهم ولمساتهم. عندما أرى الابن
وقد تشبث بيد أبيه وهو يسير بجواره في الشارع وعندما أجد الأم تحضن ابنتها وهي
سعيدة بها. عندما تغلق علينا
أبواب الدار ويذهب الجميع لشؤونهم الخاصة أجلس وحيدا، أتمنى لو أن لي أبا يأخذني
بين يديه ويربت علي ولو أن لي أما أشعر بدفء حضنها. أريد أن أقول
لأصدقائي "هذا أبي" وأفتخر به وأهرب
إلى حضن أمي منه في غضبه. لقد رأيت كل ذلك أمامي وتمنيت لو أني مكان ذلك
الولد الذي يمسك بيد أبيه أو تلك البنت التي تهرب إلى حضن أمها. قولي لكل الناس
تعالوا إلينا، نحتاج إلى الدقائق التي تقضونها معنا أكثر من احتياجنا إلى هداياكم"
مسح دمعة أفلتت منه رغم محاولاته للصمود
وقال:
قولي لهم نحن ننتظر أن تزورونا كما ننتظر
الطعام، وأنني أرى أبي في كل الرجال وأرى أمي في كل النساء، فتعالوا إلينا لتغرسوا
الحب والحنان بحبكم وحنانكم في قلوبنا. كثيرون هم من لا يعرفون النعمة التي
يعيشون فيها، بينما أنا أشحذ الحب والحنان ممن حولي، محظوظون هم من لهم أباء
وأمهات يتذوقون منهم حلاوة الاهتمام بينما يمر بي الوقت وأنا وحيد مرا، سمعتهم
يقولون "كل مر سيمر" ولكن ما أنا فيه هو
مُر بزيادة"
ربتُ على كتفه، واحتضنته بشدة، فمد يده
ومسح دمعتي التي أفلتت مني ثم أخبرته أن يذهب ليأخذ بعض الحلوى من إحدى صديقاتي. اقتربت إحدى مشرفات
الدار وأخبرتني أن " حسن"
مرهف الحس ويميل إلى الوحدة والجلوس متأملا لفترات طويلة لكنة يعود
ويندمج مرة أخرى مع أقرانه. أخبرتني أيضا أنه يكتب الشعر ثم أطلعتني على كراسة
خاصة به قد استأذنته أن تأخذها منه لتقرأها وتعيدها مرة أخرى. أمسكت الكراسة
وقلبت صفحاتها وقرأت كلماته فأوشكت على البكاء مرة أخرى ولكني تماسكت. انتهى اليوم اللطيف
السعيد الحزين وعدت إلى البيت، دخلت إلى غرفتي وجلست أمام الحاسب وانطلقت يدي تكتب
على الفيسبوك رسالة حسن.
