القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة



 

 يُدبر الأمر

بينما أنا في زيارة أختي، عاد ابنها هشام من الخارج، كان عائدا من الجامعة وكان في السنة النهائية، كان حزينا لدرجة كبيرة، سألته عن السبب فقال بعد إلحاح إنه أراد الارتباط بزميلة له في الجامعة ولكن والدها رفض بعد أن علم بالأمر.

 قال هشام وقد أوشك على البكاء "لقد رفضني يا خالي دون أن يراني، ما زاد من حزني وأسفي هو أن زميلتي انصاعت لأمره ولم تناقشه ولم تدافع عني بل أخبرتني به كأنها تخبرني أنه رفض شراء فستان جديد لها، كأن الأمر لا يعنيها. لم تكلف نفسها عناء النقاش أو المجادلة مع والدها، حتى أنني أشك أن الأمر قد راق لها". كان حزينا لدرجة أنني فضلت ألا أكلمه في هذا الأمر.

عدت إلى المنزل بعد أن تناولت الغداء مع أختي وأولادها وزوجها محمود صديقي. عدت إلى منزلي وحيدا بعد أن تركني أولادي وسافروا للعمل بالخارج وتركتني زوجتي قبلهم وذهبت إلى خالقها.

أعددت فنجان من القهوة والحمد لله أنني مازلت بصحتي لأعد فنجان القهوة السادة المفضل لي. جلست أمام مكتبي وأخرجت ملفا به أوراقي التي أحتفظ بها ومجموعة من الذكريات التي أعتبرها بقايا حياتي الماضية، لحظات الحنين التي تشكل مذاق حياتي الباقية وكانت كل قطرات الحنين في ملف ذكرياتي.

 غرقت في ذكرياتي لفترة طويلة وكأنني في حلم جميل ولكن أيقظني هشام من هذا الحلم الجميل المحبب لي بمكالمة تليفونية يخبرني أنه ينتظر أسفل بيتي ويريد أن يتحدث معي قليلا لأنه لم يستطع أن يمكث بالمنزل. 

دعوته للصعود ليمكث معي قليلا، صعد بالفعل وكانت حالته ما زالت سيئة، لمح ملف ذكرياتي وفيه صورة زوجتي ووالدها رحمهما الله فوجدتها فرصة مواتية لأخفف عنه فحاولت بأسلوبي أن أشوقه ليسمع قصة زواجي فرحب وبدا مستعدا بل تشجع وقال:

- أستحلفك بالله يا خالي أن تحكيها لي فربما يشغلني بعض الوقت عن هذا المزاج السيئ الذي يلازمني

ضحكت قليلا وسردت تفاصيلها كما سأسردها لكم الآن

ذات يوم ذهبت لأتقدم لخطبة فتاة كانت زميلتي في الجامعة، ذهبت إلى بيتها وقابلت والدها وأخبرته برغبتي في الارتباط بابنته وأوضحت له كل ظروفي فرفض الرجل بشكل قاطع، رفض حتى أن أزيد له من تفاصيل صغيرة في حياتي وأيقنت أن هذا الرجل يضمر شيئا في نفسه، فربما لم أعجبه بسبب حالتي المادية وربما كان يدخر لابنته عريسا جاهزا. 

خرجت وأنا في قمة الحزن وكان أذان المغرب يتصاعد من عديد من المآذن في الحي. دخلت أول مسجد قابلني وأديت الصلاة وجلست بعد الصلاة قليلا وكانت حالتي يرثى لها، حزن اختلط بغضب وقنوت. بينما أنا في هذا الوضع أرتدي قناع البؤس ويكسو الحزن وجهي إذ شعرت بيد تربت على كتفي، نظرت للخلف فرأيت رجلا بشوشا سمحا يشع الضوء من وجهه فوجدت طمأنينة تسربت إلى قلبي، للحظات تخيلت أنني في حلم جميل وأن هذا الوجه الطيب جاء ليطمئن قلبي ويهدئ من روعي ولكنها كانت الحقيقة، كان رجلا بشوش الوجه، لين القول. سألني عن حالي وعن سبب حزني.

 ترددت في البداية أن أحكي له قصتي لأنني لا أحب الشعور بالشفقة ولكن وجدت لساني ينطلق بعد إلحاح منه وكأنه والدي ويريد أن يطمئن على حالي. أفضيت له بمكنون نفسي. ابتسم الرجل فزادت بشاشة وجهه ودعاني لأتناول العشاء معه، حاولت أن أرفض بشيء من الذوق ولكن الرجل أصر إصرارا عجيبا بل أقسم علي لأذهب معه، خرجنا من المسجد في طريقنا إلى منزله. كانت دقات قلبي تتصاعد ونحن نتجه صوب منزل زميلتي، بل كاد أن يقفز ونحن نقترب منه بالفعل ودارت الكثير من الظنون برأسي ولكن أيقظني صوت الرجل وهو يدعوني للصعود إلى منزله المجاور لمنزلها.

 هدأت قليلا وصعدنا سويا، طرق الباب ثم فُتح وكنت أبتعد قليلا عن وجهة الباب، دعاني لأتبعه حتى إحدى الغرف ثم جاء بالعشاء وتناولناه سويا بمفردنا، بعد تناول الطعام تكلمت معه كثيرا وحكيت له عني وعن أسرتي ولحسن الحظ، أو من حسن حظي أن كوب الشاي الزجاجي وقع مني وكسر وبحركة تلقائية حاولت أن أجمع الزجاج المكسور المتناثر، رغم تحذير الرجل، فجُرحت يدي وسال الدم منها. اتجه الرجل للداخل وجاء بصندوق الإسعافات الأولية مثل مطهر الجروح وأشياء من هذا القبيل وجاء بملاكي التي سلبت عيناها قلبي وعقلي على حد سواء.

 كانت على دراية كافية بأمور التمريض فطهرت الجرح كما طهرت قلبي من حب لم يكتمل. في اليوم التالي وجدني الرجل على بابه فرحب بي وتفاجأ لأنني أتقدم لخطبة ابنته، ملاكي الذي أسرني، وأخبرته أنني سوف أحضر والدي إذا وافق على شخصي، قالها الرجل وقد امتزجت الحروف بالسعادة "في انتظار والدك" طار قلبي فرحا وتمت الخطبة فعقد القران ومرت حياتي بسلام فوق أمواج الحياة التي تثور ثم تهدأ حتى جاءت هذه اللحظة التي أجلس فيها معك الآن.

ابتسم هشام وقال:

- "قصة غريبة وجميلة، ليتك قصصتها علي من قبل

ابتسمت وأنا أمسك صورتها وقلت له

- لاحت هذه الذكريات في أفق حياتي الآن وأنا أحكي لك تفاصيلها. وها قد رأيت يا هشام، أصبحت هذه الفتاة هي زوجتي، علمت أن الله ادخر لي الأفضل بعد أن عاشرتها ثلاثين عاما ما أغضبتني قط، ها هي قد رحلت منذ خمس سنوات وأنا أعيش على ذكراها وتظل حكمته سبحانه يا بني في قوله "عسى أن تكرهوا وعسى أن تحبوا، 

وقد أدركت معنى هذه المقولة "رُب خير لم تنله، كان شرا لو أتاك"، فلا تحزن يا بُني إن الله يُدبر الأمر.


التنقل السريع