كانت اليوم المحاضرة
الأخيرة هذا العام لنا في قسم التاريخ كلية الآداب، توقعنا جميعاً أن تدور المحاضرة حول أهم النقاط أو العناوين
الرئيسية التي يدور حولها الاختبار النهائي ولكن د. أحمد، أستاذ المادة، عرض علينا نصا تاريخيا تحدث عن الملكة كليوباترا.
كان النص صحيحا من الناحية التاريخية، يحمل حقائق هامة حول تلك الحقبة الزمنية وعن الملكة
كليوباترا وعصرها وحقائق تاريخية لا يمكن إغفالها ولكن النص به خطأ لغوي واحد.
طالبنا المعلم بالتعليق على هذا النص التاريخي، كانت التعليقات صادمة بالنسبة لي أما بالنسبة للمعلم فكانت متوقعة وهذا ما أيقنت به لأنه كان يبتسم، صح ظني فكان وراء النص شيء يعنيه. كان هناك ثلاثة أو أربعة تعليقات وإشادات بالنص وقامت بتحليل الوقائع التاريخية التي تضمنها.
كان هناك نفس العدد تقريبا من التعليقات التي أشادت بسلاسة سرد والأحداث المترابطة بطريقة سلسة. حتى هذه النقطة وأنا أتفق تماما مع زملائي ولكن الصادم أن أضعاف أضعاف هذا العدد أشاروا إلى الخطأ اللغوي وكادت التعليقات تصل لإدانة بالغة لهذا الخطأ. وقف المعلم هادئا وعلق قائلا "من المؤكد أنكم توقعتم أن تدور المحاضرة حول أحد الأسئلة المتعلقة باختبار مادتنا ولكن رأيت أن أبدأ المحاضرة باختبار حياتي ثم ننتقل إلى منهجنا لكي نتناوله. لقد مررت بهذا الاختبار كثيرا من قبل، عرضت عليكم الآن نصا تاريخيا صحيحا عدا خطأ لغوي واحد.
كانت غالبية التعليقات تدور حول الخطأ اللغوي وكأن النص ليس به شيء صحيح نتكلم عنه، لم تجذبكم الايجابيات ولكن جذبتكم السلبيات وعلقتم عليها. هذه هي الحياة يا أبنائي الأعزاء، الحياة التي يركز الناس فيها على الأخطاء ولا يلقون بالا إلى المميزات، يركزون على أخطائك ويتناسون انجازاتك ويتغافلون عنها، كما فعلتم أنتم مع النص، نظرتم، إلا قليل منكم، إلى الخطأ اللغوي وشغلكم عن الاستفادة بالمعلومات الواردة في النص.
أنتم مثل هذا النص، سينظر الناس إلى أخطائكم ويعلقون عليها ويتغافلون عن مزاياكم ونجاحاتكم، لن يلتفت الناس إلى ما تفعلونه من صواب ولو فعلتموه ألف مرة وسوف يركزون على أخطائكم وهفواتكم ولو صدرت عنكم مرة. ستخرجون خارج أسوار الجامعة وتجدون ألوانا وألوانا من الناس فلا تشعروا بالإحباط من كثرة الانتقاد، لا تخشوا الخطأ فلن تتعلموا إلا إذا أخطأتم فالناس لن ترى منكم غير الأخطاء والعثرات بينما ما تفعلونه من صواب لن يشغلهم إلا من رحم ربي.
لا تكترثوا لمن ينتقد ليهدم وتقبلوا من ينتقد ليبني
ويصلح، هيا الآن لنعد إلى منهجنا بعد أن تطرقنا
سريعا إلى لمحة سريعة من لمحات الحياة.
وكانت هذه المحاضرة
حقا محاضرة الحياة بالنسبة لنا، قبل أن نقابل الحياة خارج أسوار الجامعة.
