القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة


كلهن امي 

وافق مديري أخيرا على نقلي لأعمل في نفس القسم الذي يعمل فيه صديقي معتز. الحق يقال إنه كثيرا ما طلبت من المدير نفس الشيء حتى سنحت الفرصة ووافق المدير على أن يجمعني بصديقي قسم واحد.

في أول يوم عمل معه في نفس القسم شاهدته كما كنت أعتقد شديد الحماسة والهمة في عمله، ينجز العمل سريعا ولكنه يضيع بعض الوقت في المكالمات التليفونية. حقا هو يتصل من هاتفه ولكنه يضيع وقت العمل. لا أستطيع أن أجزم بذلك لأن نشاطه وحيويته تعوض هذا الوقت الذي يضيعه في المكالمات وكأنه يفعل ذلك لأجل هذا فهو ينجز جميع المهام الموكلة إليه في وقت قياسي ثم يتفرغ بعض الوقت لعمل هذه المكالمات.

غلبني الفضول واقتربت من مكتبه كلما هم بالحديث هاتفيا، علمت بعد أكثر من مكالمة أنني ظلمته لأنني سمعته وهو يبدأ المكالمات بكلمات الثناء والاشتياق إلى والدته ولم يبدأ أو ينهي مكالمة إلا ويقول "وحشتيني يا ماما". شعرت كم أنني مقصر في حق أمي، أحدثها مرة واحدة يوميا أطمئن عليها وعلى أحوالها وأطمئن على أبي ولكن صديقي معتز يحدثها كل ساعة تقريبا ويمتد حديثه معها إلى نصف ساعة أو يزيد بينما لا تستغرق مكالمتي مع أمي سوى دقائق معدودة. سألت نفسي "ما كم الحب والألفة الذي يتجدد يوميا بينه وبين أمه، وإن وجدت الألفة وتجددت وتجدد الحب فمن أين يأتي بكل هذا الكلام "ثم تمنيت لو أستطيع أن أفعل ذلك مرة أو مرتين في اليوم.

أنهيت بعض الأوراق وأخذت هاتفي من فوق المكتب وقمت بالاتصال بأمي واطمأننت عليها وعلى أبي وكانت أمي سعيدة بذلك جدا وكذلك والدي، بعد بضع ساعات كان صديقي قد تحدث ما يقرب من ستة مرات إلى أمه. أعتقد أنه رقم قياسي بينما أنا هاتفت أمي مرتين واعتبرته انجازا.

لاحظت أنه يمسك هاتفه ويبتسم فاقتربت منه ودار حديث بيننا، سألته "بالتأكيد تحب أمك جدا يا معتز". أجابني دون أن يلتفت إلي "بالتأكيد أحبها وأدعو لها بالرحمة يوميا و. . . . ". قاطعته قائلا "تدعو لها بالرحمة!!"، قال بعد أن ترك هاتفه ونظر إلي بتعجب "نعم، لقد توفيت منذ خمس سنوات، ألا تعلم، لقد كنت تقف بجانبي في العزاء". هنا وبحركة لا شعورية لطمت جبهتي وأنا أقول "أخ"، بالفعل لقد توفيت والدتك" ثم عاجلته بسؤال "إذن من تحدثها كل نصف ساعة تقريبا وتناديها بأمي؟" ضحك معتز حتى رجع برأسه إلى الخلف وقال "هؤلاء بعض صديقاتي وأناديهن ب "أمي" حتى لا يحدث خطأ في أسمائهن لأن عددهن كثير وموضوعاتهن متشابهة". انتابتني حالة هستيرية من الضحك وقلت له "لقد كنت على وشك أن أبكي بين يديك حزنا على حالي من شدة برك بوالدتك واعتبرتك مثلا للابن البار". ضرب معتز كفا بكف وضحك كثيرا واستمر لنهاية اليوم على هذه الحالة من الضحك كلما نظر الي وهو يكرر "أمي، أمي، كلهن أمي"

التنقل السريع