ارتفعت الزغاريد في منزل الجيران، أسرعت إلى أمي لكي أعرف السبب فلا يخفى شيء عليها حفظها الله. أخبرتني أن جارتنا نجية عادت لتوها من أداء فريضة الحج، قلت لها "ما شاء الله" لقد سمعت أنها كانت تتمنى ذلك ولطالما طلبت منك أن تدعي لها أن يلبي الله طلبها وتستطيع أن تحج بيت الله.
قالت أمي "حقا يا ابنتي،
كانت تتمنى ذلك وتدعو الله أن يجبر كسرها". أصابتني
الدهشة وقلت "وهل كانت تعاني في حياتها؟ فأنا لا أعرف عنها غير أنها طُلقت من
زوجها الأول وعادت إلى شارعنا في بيت أبيها ثم تزوجت مرة أخرى بعد فترة قصيرة من
رجل ميسور الحال" قالت أمي بعد أن تبسمت "هذا ما يراه الناس، ربما قالوا إنها محظوظة أيضا ولكن كما يقول المثل "اللي
ميعرفش يقول عدس". أردت أن أعرف الكثير
ولكن أمي كانت مشغولة وكذلك كنت أنا مشغولة في
اختبارات نهاية العام.
مرت أيام قليلة وارتفعت الزغاريد مرة أخرى من بيت نجية، فأسرعت إلى أمي وأنا أنظر
إليها نظرة ذات مغزى ففهمت ما أعنيه، فهل يوجد من هو أقرب لي من أمي. قالت "سوف أرضي شغفك وأقص عليكِ حكاية نجية وهي كما يقول
المثل "اسم على مسمى" لأنها كانت تناجي ربها بكرة وعشية. كانت نجية متزوجة من رجل فقير الحال وفقير في أشياء كثيرة أيضا.
دام زواجهما عشر سنوات دون إنجاب، صبرت هي واحتسبت ورضيت بحالها وبقضاء الله بينما هو لم يصبر
ولم يرضَ فتزوج عليها وأنجب بالفعل من إحدى قريباته ورزقه الله بأطفال من ذوي
الاحتياجات الخاصة فضاق بهم وأخبر نجية أنه لن يستطيع الإنفاق على بيتين فطلقها
وطردها من بيتها وعادت الي بيت أبيها لتعيش وحيدة فيه بعد أن رحل الأب والأم
وتزوجت أخواتها وسافر أخوها للعمل بالخارج في إحدى الدول العربية.
عاشت لشهور وحيدة تناجي ربها أن يجبر كسرها ويرزقها زيارة
بيته، فجبر خاطرها وعوضها عما صبرت عليه ورضيت به فكان فضل الله عليها كبيرا، أرسل لها رجلا ميسور الحال توفيت زوجته الأولى ولم ينجب منها، كان راضيا بحاله يبحث عن زوجة تؤنس وحدته بعد وفاة زوجته.
أرسله الله إليها لتكتمل فرحتهما معا، سألها عن طلباتها ومهرها فقالت مهري الحج، زيارة بيت الله الحرام فوافق وتم الزواج وحين أقبل موسم الحج
أوفى بوعده وسافرا سويا لأداء الفريضة وزيارة بيت الله الحرام وبعد العودة من الحج
شعرت ببعض الألم فذهبت للطبيب فأخبرها أنها حامل وتعجب لأنها لا تعلم فبررت ذلك
بأنها كانت تشعر ببعض التغيرات ولكن لم يخطر ببالها أنه حمل. اكتملت فرحة نجية، جبر الله كسرها لأنها لجأت إليه وحده بعد أن تركها زوجها
وكسر قلبها وفقدت الأمل في الانجاب ولكنها لم تفقد الأمل في الله الذي أعطاها كل
شيء بعد أن فقدت كل شيء فهو رب كل شيء، خالق كل
شيء، القادر على كل شيء.
