انتقلت بعد زواجي إلى
منطقة بعيدة غير التي نشأت فيها، لاحظت الفرق الكبير بين الحياة في المناطق
الريفية والحياة في المدينة، جئت
إلى الدنيا وعشت حياتي قبل الزواج بإحدى قرى محافظة الشرقية ثم انتقلت بعد الزواج
للحياة في القاهرة. تزوجت نبيل بطريقة تقليدية، كان والده صديق والدي وكانا يرتبان لقاءات عديدة بين
الأسرتين في المناسبات وفي غير المناسبات. نجحت
خطة الصديقين وتقاربنا أنا ونبيل وتم الزواج. جمعتنا
الخطط الأبوية كما جمعتنا مهنة الطب أيضا، تخصصت
أنا في أمراض النساء بينما نبيل يكبرني بخمسة سنوات وتخصص في أمراض الصدر.
في صباح ذلك اليوم، كنت أتحدث مع نبيل عن الفرق الشاسع الذي أشعر به بين حياة
القرية وحياة المدينة وخاصة إذا كانت القاهرة وعلى الأخص المدينة الجديدة التي
نقطنها. وافقني نبيل على ذلك وأخبرني أنه لولا عمله ورسالة الماجستير لفضّل الحياة
في قريتنا بعيدا عن هذه الضوضاء والتلوث والفقر الاجتماعي الذي نشعر به. بينما كنا
نتحدث إذ بطرقات على الباب، تأخر نبيل قليلا في
ارتداء ملابسه فزادت الطرقات، أسرع نبيل ونظر من
العين السحرية ثم فتح الباب فإذا هو الأستاذ سليم،
أحد أبناء جارتنا العزيزة صاحبة السبعين خريفا، الحاجة سناء.
قبل أن نتطرق إلى ما
حدث في ذلك اليوم، سوف أعدد
لكم صفات جارتي العزيزة، كانت تستيقظ الحاجة
سناء في تمام السادسة صباحا، ترفع صوت الراديو
على إذاعة القرآن الكريم ثم تحول مؤشر الراديو إلى إذاعة البرنامج العام في تمام
الساعة السابعة والنصف. بالطبع يشكو الجيران من أفعالها تلك ولكن لا فائدة من
الحديث معها فتقبلوا الوضع وأصبحت عاداتها الصباحية مألوفة لدينا جميعا. قرب
المساء يتصاعد صوت "الست" أم كلثوم أو عبد الوهاب من جهاز الراديو أو
الكاسيت وقبل الثامنة تغلق كافة الأنوار عدا ضوء خافت وصوت إذاعة القرآن الكريم الذي تعتبره ونيسا لها حتى تغادر عالمنا إلى عالم
الأحلام. كانت تعيش وحيدة، تعتمد على نفسها وعلى زوجة البواب في طلباتها وطعامها،
ونادرا ما نرى أيا من أبنائها.
نعود إلى ذلك اليوم، استقبلنا سليم الذي طلب على الفور من نبيل
أن يصحبه على الفور لشقة والدته الحاجة سناء لأنها لا تتحرك ولا تتكلم. كان القلق متمكنا من سليم وأخبرنا أنها اتصلت به ثم سعلت وانقطع الصوت. هرعنا جميعا إلى شقة الحاجة سناء وقام زوجي بالكشف عليها
ولاحظت علامات التعجب عليه ثم نظر إلي وطلب أن أجري الكشف عليها ثم اقترب مني وقال
هامسا "كل شيء مضبوط، النبض ودقات القلب
والضغط، كل شيء في أفضل حال" طلبت من نبيل
وسليم أن يغادرا الغرفة لأستطيع الكشف عليها بهدوء، زادت ملامح القلق على سليم وخرج مع نبيل.
اقتربت من جارتي
العزيزة وهمست في أذنها
"لقد غادرا الغرفة" كان استنتاجي صحيحا. فتحت السيدة عينيها وقالت "يعجبني ذكاؤك". سألتها عن سبب ادعائها المرض فقالت إن أولادها تركوها وحيدة
ولا يزورها أحد وهي تشعر بحزن شديد وربما حدث لها مكروه بالفعل نتيجة وحدتها
وحزنها، طلبت أيضا أن أُعظّم من أمر مرضها
وأطالب أبناءها أن يحضروا لها أحفادها لأنها تشعر بدنو أجلها. فعلت ما طلبت وكان
نبيل ملتزما الصمت لما فهم أن هناك شيئا يدبر،
بينما ظهر الفزع على سليم واتصل بإخوته وحضروا جميعا مع أبنائهم. استمرت السيدة في
التظاهر بالمرض حتى حضر أولادها جميعا وأحفادها وكان لقاء جميلا، أحسست أن جارتي في قمة سعادتها. تركناها أنا ونبيل وعدنا
للمنزل وأخبرت نبيل بما فعلته السيدة فابتسم وأشفق عليها كما فعلت أنا.
عدت إليها في المساء
فشكرتني لأنني ساعدتها في تحقيق هدف سعت إليه وهو أن تجمع أبناءها وأحفادها حولها.
أخبرتني أن أطلب من سليم أن يتصل بها يوميا ولا يتأخر عن زيارتها لاحتمال موتها في
أي وقت. أبدت سعادتها وقالت "إنه أسعد يوم في حياتي منذ أن رحلوا عني وتركوني
وحيدة لأنني شعرت باهتمامهم، ولو بيدي لفعلت ذلك ألف مرة لأرى نظرات الاهتمام التي
رأيتها في عيون أبنائي وأحفادي. كان أبنائي يفعلون ذلك صغارا، يدعون المرض لأجلس
بجوارهم وأحكي لهم الحكايات، احتاجوا صغارا للاهتمام ونحتاج أيضا كبارا لهذا الاهتمام".
