ركبت سيارة تاكسي
ذات يوم وكانت سيارتي قد تعطلت فجأة. كنت شاردا طوال الوقت،
أخبرت السائق بوجهتي وشردت أسترجع تفاصيل ما حدث. نظر السائق لي وقال "رغم
أنني لا أحب التطفل ولكن صمتك يدل على هم كبير تحمله"، ابتسمت ولم أرد فأكمل
قائلا "أبلغ من العمر خمسة وستون
عاما، قضيت أغلب عمري في الشارع، تعلمت ما تعلمت، وفي كل يوم أتعلم جديدا، خَلُصت
في النهاية إلى أن الله يعطيك رصيدا من الستر ويترك لك حرية التصرف فيه فإن حافظت
عليه أصبحت مستورا في الدنيا وإن فرطت فيه فلا تلومن إلا نفسك، فإن سترك الله فلا
تفضح نفسك، تعلمت أيضا أن الله أمرنا بالتوكل عليه بعد الأخذ بالأسباب، ولو كان التوكل
وحده كافيا لما قال لمريم "وهزي إليك بجذع النخلة" وهو القادر سبحانه
على أن ينزل عليها رطبا جنيا دون أن تلمس أي شيء."
تعجبت من هذه النصائح وقلت له "وكيف
عرفت أنني أحتاج إلى إحدى هذه النصائح؟" فقال "يا ولدي أغلب المشكلات إما
هم يكسر قلبك بين قسوة الآخرين أو من قسوتك على نفسك بتهور صنعته بيديك واستنفذت
رصيد ستر الله عليك. أو هم تسببه مشكلة تقع فيها ولا تجد حلا وحلك في الأخذ
بالأسباب والتوكل على الله".
عجز لساني عن سرد مشكلتي فقال "وأنا في بداية حياتي كنت أحب السير بسرعات كبيرة جدا في الطرقات المفتوحة والمرور بين السيارات وتجاوزها بمرونة لأنال إعجاب نفسي أولا أو إعجاب الآخرين حتى جلس أحد الركاب بجانبي ذات يوم فقال "لا تعتقد أن ما تفعله وتنجو منه بسبب مهارتك ولكن ذلك بسبب رصيد من الستر لديك إذا استنفذته بأخطائك المتكررة والمتعمدة فلا تلومن إلا نفسك، لم أعر كلامه أي اهتمام حتى نفذ رصيد الستر بأخطائي المتكررة وأصبحت الحياة بالنسبة لي كالمعلم الذي يلطم تلاميذه لطمة بعد أخرى لكي يتعلموا، حتى سئمت الحياة كلها حادث كبير خرجت منه وقد فقدت سيارتي وأعاني من كسور استمرت لأكثر من عام ومعيشة تحت خط الفقر تقريبا.
تذكرت كلمات الرجل وأن رصيد الستر قد نفذ. اتجهت إلى الله بالدعاء والتضرع وبدأت في الأخذ بالأسباب بعد نصيحة خالي رحمه الله وتوكلت على الله وبدأت حياتي من جديد ذات يوم بينما أجول الشوارع بسيارتي التي أعمل عليها ولم أكن قد استطعت شراء سيارة جديدة. رأيت رجلا توقف بسيارته في إحدى إشارات المرور ونزل منها سريعا لينقذ قطة تقف وسط السيارات وتستغيث بطريقتها. لقد خاف عليها من الموت، أخذها ووضعها فوق الرصيف بجانب إحدى الأشجار الصغيرة التي كانت تتوسط الرصيف ثم أسرع إلى السيارة فمد له ابنه يديه بقطع من اللانشون تقريبا ووضعها للقطة ثم أسرع وأحضر لها ماء في غطاء عبوة معطر السيارة وعاد إلى سيارته وانصرف.
تعجبت من رحمته بالحيوان ثم أشار إلي أحد المارة وركب معي وأخبرني بوجهته فتلقى اتصالا وكان يرد ببضع كلمات ويبتسم وهو يتحدث "حاضر، معلش يا حبيبتي، ربنا ييسر" كرر تلك الكلمات طوال المكالمة ولما أنهاها ابتسمت إليه فقال "زوجتي تشكو أنها تجلس بمفردها بالمنزل وتطلب بعض الأشياء، كان من الممكن أن ألومها على ذلك، على اتصالها كثيرا بي وطلبها أشياء تافهة من وجهة نظري ولكنها عظيمة من وجهة نظرها، ولم أتضرر يوما من مكالماتها فإن لم تحدثني فمع من تتكلم. أساءت كثيرا، تعصبت كثيرا، ولكن إن لم أتحملها فمن يتحملها".
وصلنا إلى وجهته فأعطاني
الأجرة وزيادة وابتسم وشكرني وانصرف". أضاف الرجل "أرأيت يا ولدي، رحمة
تمثلت في صورتين، رزق أرسله الله إلى القطة، أرسل لها من ينقذها ومن يعطيها الطعام.
رزق أرسله الله إلى الزوجة، أرسل لها زوجا رحيما يعلم عيوبها ويتحملها بحُب ورفق،
هذا كله رزق".
بدأت أفكر كيف أن مشكلتي تافهة بالنسبة
لهذه الأمثلة، فلم أتعرض للموت مثل القطة ولم أعاني الجوع مثلها ومثل السائق بعد
حادثته، لم أتعرض لحادث مثله. فما أهون أن أتعرض لضائقة مالية وخسارة في تجارتي من
مصائب كهذه. وصلت إلى وجهتي فصافحت السائق وأعطيته أجرته فهمس إلي بجملة مازال
صداها يتردد في أذني حتى الآن "المحنة هي منحة، نفس الحروف وتختلف في طريقة
كتابتها".
