السر اليومي
استيقظت في ذلك
اليوم على صوت أبي وهو يودع أمي صباحا ليذهب حيث اعتاد أن يذهب دون أن يعرف أحد
وجهته. سألته أمي ذات يوم فابتسم ولم يرد فعرفت أنه أراد أن يحتفظ بذلك لنفسه فلم
نسأله بعد ذلك أبدا.
تركت الفراش وتوجهت
حيث أمي تقضي أغلب وقتها صباحا، في المطبخ، سألتها عن وجهة أبي فقالت "ألم أساله
أمامك ذات يوم فلم يرد" ثم تنهدت وقالت "هكذا والدك يحتفظ ببعض الأسرار
لنفسه ولا يفصح عنها إلا حينما يريد في الوقت المناسب كما يرى هو، يا ولدي لقد
اعتاد والدك على هذا الروتين الصباحي منذ أن ترك العمل بعد أن أتم سن التقاعد، كل
يوم يستيقظ مبكرا ويخرج من البيت لمدة ساعتين أو أقل ثم يعود كمن ُولد من جديد."
سألتها مازحا "ألم ينتبك شك أين يذهب؟ ولماذا كل صباح ولماذا يعود سعيدا
وكأنما ولد من جديد على حد تعبيرك". ما أثار حفيظتي رد فعلها على هذا السؤال
حيث قالت "ثلاثون عاما ونحن كتابان مفتوحان لبعضنا البعض، لو كانت هناك أخرى
كما تُلمح كنت سأعرف، إن والدك يفعل شيئا يسعده ويريد أن يحتفظ به سرا، بنسبة
كبيرة يفعل خيرا ويريد أن يحتفظ به بينه وبين ربه"
مرت الأيام بعد ذلك
الموقف وأبي يكرر هذا الأمر كل صباح حتى ذلك اليوم وأنا في السنة النهائية في
الجامعة قررت أن أعرف ماذا يفعل، استيقظت مبكرا وأخبرت أبي أن لدي محاضرات مبكرة
وعلي الذهاب مبكرا. ارتديت ملابسي وخرجت من المنزل وانتظرت بعيدا وعيناي تنتقل بين
ساعة يدي وباب المنزل، كنت أستعد لأراقب أبي فقد بلغ بي الفضول مبلغا، كما توقعت
مع دقات الثامنة خرج أبي من المنزل واتجه إلى نهاية الشارع. استمرت متابعتي له من
بعيد وأنا أراقب خطواته حتى عدنا إلى المنزل. صعد هو بينما توجهت أنا إلى الجامعة.
أنهيت محاضراتي ذلك اليوم وعدت إلى البيت فوجدت أمي جالسة تحيك بعض الثياب، ألقيت
التحية فردتها بابتسامة ثم أخبرتني أن أبي ينتظرني في غرفته. زادت دقات قلبي حتى
ظننت أن أمي سمعتها من شدتها. سألتها عن السبب فقالت إنها لا تعرف. تركت متعلقاتي
في غرفتي وتوجهت إلى أبي في غرفته، دخلت الغرفة فوجدته جالسا فوق سريره، يريح ظهره.
قابلني بابتسامة وقال "منعك فضولك بالطبع من ارتداء ملابسك أو أخذ حمامك قبل
أن تعرف سر دعوتي لك، كما منعتك أن تنتظر أن أخبرك بسري وراقبتني حتى عرفت ما أفعل
يوميا"
سقط قلبي تحت قدمي،
شعرت أن فمي أصبح جافا كجفاف النهر في السنوات العجاف، أردت أن أقول شيئا ولكن لم أستطع،
ضاعت الكلمات وتاهت الحروف وتعلقت عيناي بالأرض خجلا مما فعلت وخوفا من ردة فعل
أبي بعد أن تلاقت عينانا. قال أبي وهو يبتسم "ألم تسأل نفسك كيف عرفت أنك
تراقبني، ولماذا أكملت ما أفعله بعد أن عرفت بأمر مراقبتك لي. لن أثقل عليك فكفى
ما أنت فيه، أما كيف عرفت ذلك؟ فالسبب ببساطة هو أنني أتابعك أنت وإخوتك يوميا منذ
كنتم صغارا حتى تخرجوا من الشارع وتعجز عيناي عن متابعتكم، ولما رأيتك تقف من بعيد
علمتُ بأمر مراقبتك. أما لماذا أكملت طريقي فلأني أريدك أن تعرف ماذا أفعل لتكمل
مسيرتي وهذه وصيتي لك."
كان الموقف رغم
صعوبته بالنسبة لي إلا أن أبي جعله سهلا لينا كما كانت عادته، خرجت من عنده بحمل
ثقيل فوق أكتافي. كان أبي يخرج يوميا يبحث عن المحتاج الذي استيقظ مبكرا ليبحث عن
رزقه، عن العمال الذين يفترشون الطرقات بحثا عن لقمة العيش. كان يخصص مبلغا يوميا
لهم، يعطيه لواحد أو اثنين أو ثلاثة. كان يعطي كل من يشعر أنه يحتاج، حتى من يمد
يده، ولما سألته لماذا يعطي من يمد يده رغم أنه ربما يكون غير محتاج ويمتهن التسول
فرد بقوله: قلت ربما يحتاج وربما لا يحتاج، وحين تعطي فإن عطاءك يقع في يد الله
وليس في يده. أنا أعطي عمال البناء، عاملي النظافة، الباعة الجائلين وكذلك من يمد
يده طلبا للمساعدة فلا يعلم من يحتاج منهم حقا إلا من خلقهم". أضاف باسما
"أتعلم أن هذا الأمر ربما كفاك وإخوتك زيارة الأطباء لأمر خطير أكثر من
ثلاثين عاما، ربما كان سببا في ذلك، فقد قال الرسول "داووا مرضاكم
بالصدقة"
انتهى اليوم وبدأت
طريقا طويلا أوصاني به أبي أسير فيه بلا كلل أو ملل، طريق الصدقة. هنا عرفت السر
في نشاطه اليومي وفي فرحته حين يعود كل يوم، فما أجمل أن ترسم ابتسامة امتنان على
وجه ترهقه الحاجة التي تكفيه أنت شرها.
