منذ الصغر وأنا أشعر أنني وحيد، آخر إخوتي قدوما إلى الحياة، أقلهم حصولا على حقوقي، أقلهم حصولا على اهتمام والدي. كنت أشكو دائما أن إخوتي يتفننون في مضايقتي، عفواً، قلت أشكو، نعم أشكو، ولكن لنفسي. ذات يوم كنت ألعب بلعبتي وكانت سيارة صغيرة تعمل بالبطارية. فرحتي بها كانت لا توصف لأنها أول هدية حصلت عليها من عمتي، أكرمها الله، ولكن لأن الصغير مغلوب على أمره ولا مجال للضعفاء في هذا العالم فقد أخذ إخوتي هذه اللعبة عنوة وجلست في ركن الدار أبكي، ليس الظلم فقط، ولكن أبكي وحدتي أيضا.
تكررت هذه الحادثة كثيرا، إخوتي يأخذون متعلقاتي ويستولون عليها ولا أجد ملاذا إلا الركن البعيد لكي أبكي ظلم إخوتي وقسوتهم وعدم مبالاة والدي. مرت الأيام يوما تلو الآخر ومشكلتي تتزايد وتتعقد أكثر وأكثر حتى بلغت العاشرة تقريبا وعرفت معنى كلمة انتحار من التلفاز وكان هناك في أحد الأفلام طفل بائس مثلي يعاني من حياته كثيرا ولم يتحمل فأقدم على التخلص من حياته بشرب دواء والدته وبذلك تخلص من كل المعاناة، ليس التخلص من الحياة ومتاعبها وظلم إخوتي وقسوتهم فقط ما أضاء ركنا للفكرة في عقلي ولكن مقدار الألم والإحساس بالذنب الذي سوف أسببه لهم عندما يعرفون أنني تخلصت من حياتي بسبب ظلمهم وقسوتهم.
أصبحت الإضاءة شديدة والضوء ساطع حتى سيطرت الفكرة على رأسي ونفذتها، تناولت علبة من دواء أمي كاملة وعندما وجدوني ملقى على الأرض هرعوا بي إلى المستشفى واستطاع الطبيب أن يُسعفني ومرت هذه التجربة على خير. كانت تلك الفترة من أفضل فترات حياتي فقد أصبحت محط اهتمام الجميع، الجميع يتحدث إلي ويناقشني بل وحرص أبي على أن يأتي إلي باللعب الجديدة وينهر كل من يحاول أن يستولي عليها. أصبحت أتكلم مع أبي وأمي وأبث إليهما شكواي من أي شيء يضايقني.
راقت لي
فكرة المرض ليهتموا بي فبدأت أدعي المرض كل فترة لكي أحصل على الشحنة النفسية التي
أحتاج إليها، كنت أشك أن والداي يعلمان أنني أدعي المرض ومع ذلك يتظاهران
بالاهتمام ويزيدان من عطفهما علي وقربهما مني في تلك الفترة. اكتشفت بعد أن وصلت إلى
الخامسة عشر أنني قليل الكلام جدا ولا أتكلم إلا مع أبي أو أمي لأشكو لهما فقط،
ليس لي أصدقاء، إخوتي كالغرباء بالنسبة لي. في ذلك التوقيت بدأت أقرأ في كتب علم
النفس وشعرت بضرورة الحديث إلى الناس، إلى الإخوة، الأصدقاء، الأقارب وبدأت بأسرتي
وخاصة إخوتي ووجدت الأمر مغايرا تماما. بدأ الجميع ينصت إلي ويلبي طلباتي ورغباتي ويعيرني
اهتمامه وبدأت أحصل على حقوقي وأشكو إذا حدث أي اعتداء علي، وبذلك استطعت أن أبث
الشكوى ولكن كيف أعبر عن مشاعري الأخرى، اكتشفت أن ذلك يتطلب جهدا من نوع آخر. ذات
يوم، وكنت قد أنهيت دراستي وحصلت على عمل جيد، زفت لي أمي خبرا سعيدا من وجهة
نظرها، أخبرتني أن الله بعث لي عروسا جميلة. سألتني عن رأيي فلم أرفض ولم أتحمس
للفكرة وفي النهاية وافقت على أن أخوض التجربة.
تمت الخطبة سريعا وللحق هي فتاة ممتازة في كل شيء وذلك شجعني على أن أتم إجراءات الزواج. تركت كافة التفاصيل الصغيرة للعروس لتختارها بنفسها، والحق يقال كانت أمي متعاونة جدا ولم تؤدي دور الحماة المعهود كما نراه في واقعنا وفي أفلامنا. لم تربطني في البداية أي مشاعر بتلك الفتاة، لكن بمرور الأيام يوما تلو الآخر بدأ نوع من الألفة ينشأ بيننا، كانت رائعة جدا وتعبر عن حبها لي بسلوكها وهمسات عينيها وتلك هي المشكلة، ليست روعتها بالطبع ولكن طبيعتي أنا، كيف أعبر عن مشاعري تجاهها، كيف أعبر عن روعتها التي تزيد يوما بعد يوم.
تعلمت بث الشكوى ولم أتعلم التعبير عن الحب بعد. استشرت
طبيبا نفسيا ولم أقتنع بما برره لي بأن حالتي نفسية، لجأت لأبي وأفصحت له عن
مشكلتي فمكث دقائق يفكر ثم أشار علي بفكرة جميلة، أخبرني أن أترك الأزهار تعبر عن
حبي الذي يعجز لساني على البوح به ثم أشار علي أن أبدأ بأن أبوح لها ببضع كلمات
مثل "أنتِ جميلة" "كل يوم أراك أجمل في عيني"، "حياتي
أصبحت أفضل عندما قابلتك". ثم ختم نصيحته بقوله "اجعل سلوكك يعبر عن حبك
ودرب نفسك على الكلام الجميل فكلاهما يكملان بعضهما البعض"
نفذت نصيحة أبي وعدت
في اليوم التالي إلى المنزل محملا بالأزهار الجميلة وعندما فتحت زوجتي الباب
وشاهدتها تعلقت برقبتي وأمطرتني بالقبلات. رأيتها في ذلك اليوم كأنني لم أرها من
قبل، تلونت خدودها بألوان الأزهار وأضاء وجهها بنور الفرحة وأسمعتني كلمات ليست
كالكلمات. يوما بعد يوم بدأت أردد بعض الكلمات التي نصحني بها أبي ثم بدأت أكتب
بعض كلمات الحب وأشعار الغزل على قصاصات ورقية صغيرة وألصقها على المرآة في غرفة
النوم. فرحتها بكلماتي زادت سعادتي بها وحبي إليها، أيقنت أنني لست وحدي في هذا
العالم، ثمة من يحبني ويساعدني ويجب أن أتواصل مع العالم وأعبر عما بداخلي، عن كل
حالاتي.
