مرت السنوات سريعا ولم أشعر أنني وحيد وأحتاج إلى من يؤنس وحدتي إلا
حينما تجاوزت الستين وتقاعدت عن العمل. ساورني شعور الرضا عما وصلت إليه من نجاح
ولكن عاد القلق يطرق بابي فيما يخص مستقبلي وحياتي القادمة، ماذا سأفعل فيها وأنا
وحيد بلا أنيس ولا ونيس. في الحقيقة، قابلت حسناوات كثيرات ولكن لم أشعر أنني
بحاجة لإحداهن، لم أرَ فيهن ما يجذبني أو ربما تخيلت كذلك لأنني انشغلت بعملي عن
فكرة الزواج فاعتبرته كل حياتي. بعدما وصلت لهذه المرحلة، فكرت في البحث عن زوجة
ولكن أين وكيف؟ أشار علي أحد الأصدقاء أن النوادي الاجتماعية هي أفضل مكان أبحث
فيه عن عروس أو يجب علي أن ألجأ إلى بعض الأقارب ليساعدني أحدهم في البحث عن ونيس
لي في حياتي.
فضلت
الفكرة الأولى وقررت أن أجرب وإن لم تكن ذات جدوى فسوف أجرب الثانية. ترددت على أحد
النوادي الاجتماعية وعرفت أماكن تجمع كبار السن وبدأت أنضم إلى مجالسهم ولكن فضلت
أن أختلي بنفسي في مقعد منفصل عن الجميع لأنني أريد التركيز في اختيار إحداهن. رأيتها
تتهادى أمامي وتنظر إلي، إنها هي، أنا أعرفها، اقتربت وقالت "ألا تعرفني؟"
ثم تبادلنا أطراف الحديث وتذكرتني وتذكرتها، إنها هي، ماجدة أو ماجي كما كانت تحب
أن أناديها.
سألتها عن أحوالها وظروفها فعلمت أنها أرملة منذ
فترة طويلة وتتردد على النادي. كانت زميلتي في الجامعة، فرقتنا الأيام وظروف
الحياة بعد تخرجنا من كلية الحقوق، انشغلت بعملي ولم أعرف عنها شيئا بعد ذلك وفقدت
كافة سُبل التواصل معها. لم أعرفها في البداية لأنها تبدو أصغر من عمرها الحقيقي
بكثير، سألتها عن السر في ذلك، سر احتفاظها بجمالها ورشاقتها حتى أنني لم أعرفها
لأنها أصبحت أجمل. راقتها الكلمات واهتز قلبي لابتسامتها، كانت تتهادى كأنها
تتراقص على وقع كلماتي وحروفي. بعد حديث قصير أفصحت عن سر جمالها وهو أنها تداوم
على الرياضة وتبتعد عن المساحيق وتقبل كل دعوات حضور الحفلات، قالتها بكل سلاسة
"أحب أن أفعل ما أريد وقتما أريد بشرط أن يكون صوابا" بدأت تحكي وقلبي
يسمعها قبل أذني فقالت:
" بعد وفاة زوجي بدأت أبحث عن شيء ليملأ
الفراغ الكبير الذي يسيطر على حياتي. افتتحت مشروعا صغيرا لصناعة الملابس وإعادة
تدويرها، يمكنك أن تقول "مصنع صغير"، وظفت بعض الفتيات وبدأت أهتم
بالمشروع وأخطط لتطويره. أثناء ذلك كنت أفعل ما أحب، أذهب إلى الحدائق وأستمتع
بالمساحات الخضراء الشاسعة وأقضي وقتي في القراءة بين الأزهار وألوانها الزاهية. أذهب
إلى حفلات أقاربي وجيراني. أردت ذات مرة أن أركب التروماي فسافرت إلى الإسكندرية لأستمتع
به، جذبني التريفريك فلم أفكر لحظة وذهبت إليه حيث هو وركبته. خطرت لي فكرة تربية
الأسماك ففعلت. أحببت أن أنظر إلى القاهرة من البرج ففعلت. ابتعدت عن كل
المشاحنات، لم أدخل في جدال قط مع أحد يجادلني بهدف أن يقنعني برأيه لا أن يسمعني.
ابتعدت عن الحزن، عن الأشخاص السلبيين، عن مُصدري اليأس والإحباط. كنت أبحث عن
الطاقة الايجابية ومن يبثها من حولي وأقترب منه"
أنهت حديثها بينما جاهدت أنا لأنهي حديث عيني إليها، ابتسمت وقد راق
لي ما قالت. نظرت إلي وابتسمت بدورها وقالت "وأنت ماذا فعلت لتبدو أكبر من
عمرك الذي أعرفه" قلت لها "أحببت العمل فقط وابتعدت عن الحياة، أما أنت
فأحببت الحياة فأحبتك ومنحتك سر الطبيعة، سر الحياة". احمر وجهها وقالت
"ما أجمل ما تقول"، ساد الصمت قليلا فبادرتها بقولي "هل توافقين
على أن تمنحيني سر الحياة بالقرب منك لأحب الحياة كما تحبين ونسترجع مشاعر ضاعت في
غياهب الحياة". منحتني ابتسامة الحياة وقالت "وهل لي أن أرفض طلب الحب
الذي أيقظ بداخلي مشاعر كثيرة نسيتها من بعدك".
x
.png)