القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة


الجورب والقلم 

أخرجت جوربي المقطوع من درج الكمود، هذا الدرج الذي أحتفظ فيه بكل نفيس ذا قيمة. نظرت إلى الجورب وابتسمت ثم تكدست السحب في عيناي، قاومت لكنها أمطرت. تذكرت أمي وهي تحيك لنا الجوارب مساء قبل عودة أبي من عمله. لهذا الجورب قيمة خاصة لدي. تذكرت ذلك المساء الذي حضر فيه أبي من الخارج وهو يحمل صندوقا من الكرتون، نظر إلى أمي وكانت لا تزال تمسك الجورب في يدها وإبرة الخياطة في اليد الأخرى وقال لها "اتركي ما بيدك فقد أحضرت جوارب جديدة، اتركيها ولا تحيكي الملابس مرة أخرى فإن عينيك تؤلمانك، لا تحيكي ملابس أخرى واطلبي ما شئت فسوف يعينني الله وأحضر ما تطلبون، إن صحتك أهم عندي من أي مجهود". 

ابتسمت أمي وقالت بعينها الكثير مما عجزت أن تفعله أمامنا. تركت أمي الجورب وطلبت مني أن أضعه في سلة المهملات فقد اشتكى من كثرة الحياكة. أخذته ولكني وضعته في صندوق خاص أضع به ما أريد أن أحتفظ به.

بعد هذا اليوم، لم تضطر والدتي أن تحيك شيئا آخر فقد تيسر حالنا ورزق الله أبي مالا وفيرا وانتقلنا إلى بيت جديد، وعندما جاء خالي رحمه الله لزيارتنا قال لأبي جملة لن أنساها "لقد يسر الله عليك كما يسرت على زوجتك وأولادك".

 بات هذا الجورب يحمل لي ذكرى خاصة، أخذت الجورب من الكمود ودخلت على أبنائي وهم يلعبون فقلت لهم "هل تريدون أن أقص عليكم اليوم حكاية جميلة؟"، عمتهم الفرحة العارمة ووافقوا، هذا ما يبقى ذكرى بين الآباء وأبنائهم، سيذكرون فقط لحظات السعادة بينهم، متى لعبوا، متى خرجوا، يتذكرون الأوقات الجميلة فقط ويقولون متى تعود.

 ترك الأبناء ألعابهم والتفوا حولي فما أحلى الأوقات التي تجمعنا مع أبنائنا، سردت عليهم قصة الجورب فاستمعوا وأنصتوا ثم قال ابني الأكبر كريم "عندي تذكار مثله يا أمي" ثم ذهب إلى غرفته وأحضر صندوقا جميلا، وهنا صحت "إن التاريخ يعيد نفسه، نفس الصندوق، يا الله!!!". ابتسموا جميعا لعبارتي ثم توجهنا إلى كريم الذي أخرج من صندوقه قلما به ساعة رقمية وقال "سوف أحكي لكم حكاية هذا القلم". 

تقمص كريم دور القاص وجلسنا حوله نستمع إليه بإنصات فقال "ذات يوم أحضر لي أبي هدية في عيد ميلادي وكانت قلما به ساعة رقمية ويشبه هذا القلم. في اليوم التالي، ذهبت إلى المدرسة ومعي القلم ورآه كل زملائي ونال إعجابهم جميعا، ولكن حاول أحد زملائي أن يخطفه فوقع وكُسر، حزنت بشدة وبكيت كثيرا ولكن زملائي حاولوا تهدئتي ولكني رددت كثيرا "هذا هدية أبي". 

علم معلم اللغة العربية بذلك فحضر على الفور واستمع لزملائي وهم يروون له ما تم، ربت على كتفي وظل يهدئ من روعي حتى هدأت وانتهى اليوم الدراسي. عدت إلى المنزل حزينا وجاء أبي متأخرا فلم أره لأخبره بما حدث. في اليوم التالي، ذهبت إلى المدرسة فوجدت معلم اللغة العربية قد أحضر لي قلما يشبه قلمي الذي كُسر وقال لي "هذا هدية مني لك" شكرته وحاولت أن أعتذر عن قبوله وأخبرته أن أبي لو علم بالأمر سيحضر لي غيره فقال لي "حُبك للقلم لأنه هدية والدك، جعلني أحب أن أحضر لك مثله وكلما رأيت هذا القلم تذكر أن تقديرك لما أهداه لك والدك هو السبب الرئيس في أن أهديك إياه".

 أنهى كريم قصته فشردت قليلا ونظرت للجورب ثم للقلم ثم لكريم الذي علمتني قصته قيمة أخرى لهدايا أحبابنا غير الحنين إليهم. 

التنقل السريع