أنهيت كلية الطب
وشرعت في استكمال دراستي في جامعة أوروبية شهيرة، ساعدتني الحالة المادية المتيسرة
لأسرتي لإكمال المشوار الذي طالما حلمت به لأن حلمي أن أصبح مشهورا وأكمل دراستي
في الخارج وأستقر هناك، ولكن حادث مفاجئ لأبي أربك كل الحسابات وكذلك حالي بالطبع
رأسا على عقب ثم توالت الحوادث واحدة تلو الأخرى. أصيب والدي في حادث سيارة مفاجئ
بشلل تام. لم أكن أدرك يوما أن أبي يحمل كل هذه المسؤوليات على عاتقه إلا حينما
أصيب في هذا الحادث، ليس هذا ما لم أدركه من قبل فقط ولكن لم أكن أدرك أن الله
يحبه لدرجة أن يرحمه من عذاب المرض والعجز فلم تمر سوى بضعة أشهر حتى توفاه الله
ولحقت به والدتي سريعا، وهذا لم أكن أعلمه أيضاـ لم أعلم أن والدتي كانت تحبه لهذا
الحد الذي تفقد حياتها بعده، أدركت أنها كانت تتنفسه هو شخصيا. أصبحت وحيدا بلا
مقدمات، ليس لي أسرة، باقي عائلتي في صعيد مصر وأنا وحيد في القاهرة.
أنهيت كل التزاماتي
في القاهرة وقمت ببيع كل ممتلكاتي وعدت إلى ألمانيا وساعدني بعض الأصدقاء لأشتري
شقة صغيرة في مقاطعة صغيرة ثم التحقت بالجامعة لإكمال دراستي. كنت أدفن همومي في
الكتب والمراجع ولكن لم يدم هذا كثيرا لأن الأوراق لم تكف لاستيعاب هذه الهموم. نصحني
صديقي أوزجان وهو تركي الجنسية، اسمه جميل يدفعك إلى السؤال عن معناه وسألته
بالفعل فقال إن اسمه من مقطعين "أوز" و"جان" أي الحقيقة
والروح. نصحني أوزجان أن أتزوج حتى أجد شريكة لحياتي تشعرني بالجو الأسري الذي
افتقدته فجأة. ابتسمت وقلت له "وهل في ألمانيا من تعوضني عن الحياة التي كنت
أعيشها؟". كانت هذه حقيقة راسخة عندي. مرت شهور عديدة على نصيحة أوزجان وكلما
تذكرتها ابتسمت، حتى التقيتها، إنها اليندا، الفتاة الألمانية، بالطبع كان أول
سؤال يخطر على بالي، ما معنى هذا الاسم، بحثت حتى عرفت أن معناه "الدرع
النبيل" وتتميز صاحبته بشخصية طيبة ومهذبة ومحبوبة ومجتهدة وتحب العمل، هناك
مثل مصري يقول "إن لكل منا نصيب من اسمه" سألت نفسي هل اليندا سيكون لها
هذا النصيب من اسمها. بدأت أُلاحظها في الجامعة وأتقرب إليها وبدأت تبادلني نفس
الاهتمام فوجدتها تتمتع بكل صفات اسمها، فهي مهذبة محبوبة مجتهدة وتحب العمل، أكثر
ما جذبني إليها أنها اهتمت بي وبشؤوني واقتربت مني، وبدأت أشعر معها بالجو الأسري
الذي افتقدته. أنت في أسرتك محط اهتمام والديك وإخوتك وحينما تجد هذا الاهتمام من
شخص آخر فسوف ينتقل عندك إلى الركن الدافئ في عقلك قبل قلبك وهكذا اليندا. سمعت
وتعايشت مع كثير من المشكلات التي نتجت عن الزواج بالمرأة الأجنبية ولكن أيضا رأيت
نماذج كثيرة ناجحة لهذا الزواج. عقدت العزم على أن يكون زواجي من اليندا مغامرة
مشروعة. عرضت عليها الزواج فوافقت دون تردد ويبدو أنها كانت تكن لي نفس مشاعري
تجاهها. قالت لي إنني انتقلت إلى الركن الدافئ في قلبها، راق لي أنها استخدمت نفس
تعبيري ولما سألتها عن معنى الركن الدافئ قالت إنه الركن الذي تختص به أقرب الناس إلى
قلبك. كانت مغامرة بالفعل أن تحيا برفقة ألمانية محبة للعمل والعلم. بدأت تدفعني إلى
استكمال دراستي التي كنت أسير في طريقها بمنطق "أقدم رجلا وأؤخر الأخرى"
ولكن بدفعها لي أصبحت راكبا "سكوتر". كنت دائما أتذكر ذلك المثل المصري
الذي يقول "ليس من سمع كمن رأى"، بالضبط هذا المثل ينطبق على حياتي مع
اليندا، سمعت عن جمود الأجنبية وبرود مشاعرها ولكن رأيت من اليندا العكس تماما،
فقد أذابت حرارة حبها أكوام الثلج التي كانت تتراكم فوق سطح منزلنا الصغير. حب
وعطف وحنان ورحمة ومودة. قالت لي ذات يوم "أنا أتنفسك" فضممتها إلي
وتذكرت تلك الكلمة التي كانت تقولها أمي لأبي رحمهما الله. أنجبت أوليندا وإيرما
ومحمد وعلي. كانت مغامرتي معها تتلخص في نوع المغامرة الذي قررت أن أخوضه، هي
مغامرة الزواج من الألمانية، حب الألمانية وعشقها إلى أبعد حد. نجحت المغامرة
وكسبت السباق وفزت بحبها ودفئها والجو الأسري الذي عوضتني به عن اختفاء أسرتي المفاجئ.
مغامرتي التالية بدأت مع أولادي لأعلمهم الإسلام وشعائره ولكن للحق لقد كانت
مغامرة بسيطة لأن اليندا ساعدتني كثيرا بعد أن أسلمت بعد زواجي منها ببضع سنوات.
هذه التفاصيل تدافعت
إلى رأسي عندما وقعت عيني على عنوان مقالتك الرائعة سيدي والتي تدعو فيها القراء إلى
سرد قصص أي مغامرات مشروعة قاموا بها. إنها تجربتي التي أود أن أشاركها مع جميع
القراء، إنها مغامرتي المشروعة التي عشتها واستمتعت بكل لحظة فيها. شيء أخير أود أن
أضيفه أنني تعلمت أن الحياة نفسها مغامرة مشروعة عليك أن تخوضها ولتكن عينك على
الهدف حتى لا تتوه في غياهب جبالها ومنعطفاتها ولتكن بوصلتك هي القلب والعقل وزادك
فيها هو الحب.
أشكرك سيدي على سعة
صدرك لقراءة رسالتي حتى نهايتها وكم أنا سعيد بأن أبث مغامرتي إليك ولكن ما أسعدني
حقا هو أنني عشت هذه المغامرة معك وأنا أقرأها وأتذكر تفاصيلها.
طوى محمد الجريدة
القديمة التي نشرت رسالة والده، وضعها بجانبه وخلع عويناته الطبية ووضعها على
المنضدة وأحضر منديلا وجفف دموعه التي سالت على خديه ثم نظر إلى الصورة فوق الكمود
وقال "رحمك الله يا أبي"، لقد عشت مغامرة حياتك المشروعة وعلمتنا كيف
نخوض مغامرتنا في الحياة بكل طاقة وحب".
