ذات صباح دخل المدير
إلى مكتبنا وكان المكتب يضم أكثر من عشرة موظفين وسأل "من لديه خبر منكم في
الدعاية والإعلان"، هذا التخصص بعيد كل البعد عن عملي كمحاسب مالي، تعجب كثير
من زملائي من سؤال المدير ولم يتطوع أحد ويعلن خبرته. ما زاد دهشتي أن
"حسن" زميلي بالمكتب" محاسب مثلي تماما" خبير في هذا المجال
ولديه عمله الخاص ورغم ذلك لم يتقدم للمدير ويعلن عن معرفته وخبرته في هذا المجال.
لم أفكر لماذا فعل
"حسن" ذلك إلا عندما اندفعت أنا وتقدمت إلى المدير وأعلنت عن معرفتي
السابقة بهذا التخصص. سألني عن مدى معرفتي تحديدا فأخبرته أنني عملت في إحدى شركات
الدعاية. ابتسم المدير وطلب مني أن أصحبه إلى غرفة مكتبه.
انتهى اليوم وانصرف
زملائي وبقيت أنا حبيس مكتب المدير أتابع معه عروض شركات الدعاية والتصميمات المقدمة،
والبحث عن شركات متميزة في هذا المجال ومهام أخرى كثيرة. كان المفترض أن أنصرف مع
زملائي في تمام الخامسة مساء ولكن لم أبرح المكتب إلا في العاشرة مساء وتكرر هذا
لمدة أسبوع بلا مقابل سوى بضعة كلمات تقدير من المدير لمجهودي الكبير الذي بذلته
لمصلحة الشركة. نظرت إليه ولسان حالي يقول: ليتني علمت ذلك قبل أن يخرج لساني من
فمي وينطق بموافقتي على هذا الأمر.
سألت حسن "لماذا
لم تتقدم وتعلن عن خبرتك في هذا المجال؟"، ابتسم وقال بسخرية "حتى لا
يتكرر لدغي من جحر مرتين فأنا والحمد لله مؤمن". ابتسمت فأدرك حسن أنني لم أفهم
مقصده، فقال لي أنه تطوع أحد الأيام للقيام بدور "عامل مخزن" ليساعد في
فهرسة البضائع داخل مخزن الشركة التي كان يعمل فيها قبل أن يلتحق بالعمل معنا. أضاف
حسن "بعد أن أمضيت ما يقرب من شهر في هذا الأمر الشاق لم يعطني المدير أجرا إضافيا
ولما سألته أخبرني أنه أعفاني من عملي الأساسي لأقوم بهذا العمل هذه الفترة، وأن
هذا يدعى تغيير مسمى وظيفي، أوضحت له أنني تطوعت لإنقاذ الشركة من مشكلة كبيرة
متوقعة إذا حضرت إحدى اللجان الرقابية للتفتيش، فقال المدير وهو يبتسم "لقد
قلتها "تطوعت ونحن قبلنا هذا التطوع ولم نفرض عليك ذلك بأجر"
ربتُ على كتف حسن
وقلت له "ليتني سألتك قبل أن أقرر" فقال "لا تحزن لقد تعلمت درسا
مقابل أسبوع عمل أما أنا فقد دفعت شهرا كاملا لأتعلم نفس الدرس". شردت قليلا
وأنا جالس أمام مكتبي فرأيت أحد الملصقات الذي كان أمامي طوال الوقت ولم أدرك أهمية
العبارة التي يحملها إلا في ذلك التوقيت وكانت تقول "في المدارس نتعلم الدروس
ثم نمر على الامتحانات، أما في الحياة فنمر بالامتحانات ثم نتعلم الدروس" وكان
أسفل العبارة اسم كاتبها "الدكتور ابراهيم الفقي" رحمه الله. نظرت إلى
المقولة وتمتمت "أحيانا تكون الدروس غير متوقعة والامتحان مفاجئا".
