القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

اتجاه اجباري - الفصل الرابع

  

 


-4-

 

 

أحيانا تقنعك الصدفة أن وراءها حياة

 

داء أو مرض أو حب السيطرة هو عبارة عن ميل الشخص إلى فرض آرائه على الشخص المقابل له، حيث يشعر بأن رأيه هو الأفضل والأكثر صوابا وبأنه القادر على اتخاذ القرارات، واتخاذ هذا الشخص المقابل تابعاً له في كل شيء، فيتحكّم في تصرفاته وأقواله وحتى مشاعره، ويطلق على هذا الشخص المريض بـ " المُسيْطِر" بينما الشخص الآخر هو " المُسيْطَر عليه". وهذا ما كان يعاني منه بشير مع الرئيس (رئيس العصابة) المُسيْطِر الذي يفرض أراءه على كل أفراد العصابة ودائما رأيه هو الأفضل وأنه القادر على اتخاذ القرارات ويتعامل مع كل أفراد العصابة على أنهم تابعون له فيأمر وهم يطيعون. هذا الشعور سيطر على بشير منذ فترة طويلة ولكنه كان ينتظر الفرصة التي تسمح له فعل ذلك. أيضا بعد سقوط أخيه جريحا في يد الشرطة في العملية السابقة وقامت العصابة بالقضاء عليه حتى لا يعترف عليهم زاد هذا من استحالة بقائه ضمن أفراد العصابة.



 تولد داخل بشير في هذه اللحظة بركان ثائر يسمى "رفض التبعية" وهو ما جعله شعلة من نار فبمجرد أن أمسك بالنقود بدأ في تنفيذ خطته وقتلهم جميعا في السيارة وأسرع هاربا بالحقيبة عند سماع صوت سيارات الشرطة. المشاعر التي تولدت داخل بشير نتيجة رفضه التبعية وحب الاستقلال والانتقام أدت إلى اتخاذه قرار الانفصال عن العصابة.

-------------



ظل أحمد يتأمل غرفة الفندق ولفت انتباهه نظافتها ومفروشاتها، وتذكر حال المستشفيات التي كان يتنقل بينها، والمفروشات السيئة التي أقامت علاقة ود مع جسده. لم ينم مثلما نام ليلة أمس، سرير مريح وهدوء وقرار ارتاح إليه. وقف أحمد في الشرفة، نظر إلى النيل أمامه. تمتم ساخرا وهو يبتسم " لو أن أحدهم قد أخبرني من قبل أنني سأقف في مكاني هذا، كنت ظننته مجنونا". كان يعرف أن النيل جميل وهواءه عليل في الصباح، قبل أن تلوثه عوادم السيارات. لكن لم يتخيل أن هذا المزيج يشع هذه الروعة التي يراها الآن أمامه. كان يستيقظ مبكرا ويخرج مبكرا من بيته، وهذه عادته بحكم دراسته وبعد المسافة عن جامعته. نظر أحمد إلى ساعته ثم توجه إلى الداخل وارتدى ملابسه وخرج من غرفته متوجها إلى مطعم الفندق لتناول الإفطار.



كان أحد أفراد العصابة ينتظر أمام الفندق بهدف المراقبة، أرسلته رشا بعد أن غادرت لكي يراقب أحمد. وصل بعض أفراد العصابة أمام الفندق ينتظرون أحمد. أنهى أحمد إفطاره ثم صعد إلى الغرفة ولم يمكث كثيرا ثم خرج من الفندق. كان هناك من يتعقبه حتى دخل إلى شارع جانبي يربط شارع النيل بشارع الكورنيش، كانت مجموعة من الرجال الأقوياء، أمسكوا به وأخذوه بالقوة في سيارة " جيب شيروكي سوداء كبيرة - لم يبد أحمد أي مقاومة- وتوجهوا به إلى إحدى الفلل بمنطقة القصبجي بطريق مصر أسيوط والتي يبدو أنها مخصصة من قبل العصابة لمثل هذه العمليات.

هبط اثنان من أفراد العصابة من السيارة وبصحبتهم أحمد وهم يحيطونه بأجسادهم الكبيرة وهو كالعصفور وسطهم ; اطمأن أحمد أن خضوعه وخشوعه قد خدع العصابة. بينما يدفعونه لدخول الفيلا، إذا بسيارة شرطة تقف بالقرب من الفيلا ويصيح أحمد " أنقذوني، أنقذوني" "أتعرض للخطف". ارتبك أفراد العصابة واستغل أحمد ذلك وانطلق يجري في الاتجاه المعاكس بينما لم يتدخل أي من أفراد الشرطة، بل لم يلتفت أي منهم لما يحدث.

استخدم أحمد هنا أسلوب المفاجأة التي تصيب الخصم أو الطرف الآخر بشلل مؤقت يمكنك من التصرف سريعا وعادة لا يظل هذا الشلل المؤقت إلا ثوان معدودة. لا يلجأ لهذا الأسلوب إلا من لديه من سرعة البديهة والقدرة على اتخاذ قرار بشكل سريع وإلا تكون النتيجة وخيمة بعد أن يفيق الطرف الآخر من هول المفاجأة.



انطلق أحمد مسرعا وكان يشعر ببعض الألم ولكنه لم يجر مسافة طويلة، وأثناء انطلاقه وجد سيارة واقفة وبابها المقابل لباب السائق مفتوح ويقف بجانبها شاب تظهر علية علامات الحزن والغضب، بينما داخل السيارة توجد فتاة أخرى تجلس على مقعد القيادة، دفع الشاب جانبا ثم أمر الفتاة أن تنطلق.



بلهجة آمرة، ونبرة عالية صاح أحمد

- تحركي بسرعة

أصيبت الفتاة ببعض الذهول الذي امتزج بالخوف وقالت:

- من أنت وماذا تريد؟

انطلقت الفتاة بالسيارة

قال أحمد وقد هدأت نبرة صوته وأصبحت أقل حدة

- لا تخافي، لن أسبب لك أي أذى، ولكن بسرعة من فضلك ولا تخشي شيئا.

بدأت الفتاة تهدأ وسألته:

- ماذا وراءك وممن تهرب؟

أجاب أحمد وهو ينظر للخلف

- عصابة تريد قتلي

قالت الفتاه وهي تمسك بعجلة القيادة ونظرة الخوف تطل من عينيها:

- لماذا؟

أجابها أحمد وهو في نفس الوضع:

- عصابة، تريد مني مستندات هامة، (ثم ازداد حدة) زيدي السرعة من فضلك.

فعلت الفتاة ما أمرها به وهي ترتعد من الخوف. بينما هي كذلك كان أحمد ينظر إليها وقد ذاب في ملامحها البريئة الطفولية. كانت الفتاه تتمتع ببشرة بيضاء صافية، وأنف دقيق، وعيون واسعة كحيلة، وعنق طويل وشعر أسود كسواد الليل ينسدل على كتفها، مجعدا كأمواج البحر. غرق أحمد في بحرها وكأنه يريد الغرق أو الانتحار في مياه براءتها وجمالها الهادئ. لم تلاحظه الفتاة وهو يهيم بها ولا ينطق بينما هي ترتعد خوفا ولكنها ظلت تنطلق بسرعة بالسيارة حتى اختفت السيارة التي كانت تتعقبهم عن الأنظار ثم طلب منها أحمد أن تتوقف ونزل مسرعا واعتذر لها ثم طلب منها أن تتحرك بالسيارة.

- تحركي بالسيارة ثم توقفي وتظاهري بفقدان الوعي بعد أن تضعي رأسك على عجلة القيادة كأنني اعتديت عليكِ، فهم يعلمون أنه لا علاقة لك بالموضوع.

وكانت السيارة قد وصلت بداية النفق الذي يربط شارع الكورنيش بشارع مراد فتركها أحمد وانطلق في أحد الشوارع الجانبية خلف مستشفى الرمد بالجيزة ثم صعد إلى إحدى البنايات. انتظرت ثوان تنظر إليه وهو يهبط من السيارة، لا تعرف إن كان يتألم من شيء ما أم هذا طبعه، ذلك الجسد النحيف الذي لا تعرف منه هل هو قوي أم يشعر بالوهن وظلت كذلك حتى غاب عن عينيها.



كان هناك شخص يراقب الموقف من بعيد ويبتسم، هو نفسه الذي كان يشرح أسلوب العصابة منذ قليل.

فعلت الفتاة ما طلبه أحمد منها فأسرعت بالسيارة ثم أوقفتها وتظاهرت بالإغماء وهي تضع رأسها على عجلة القيادة وبالأخص علي زر صافرة السيارة ليجتمع الناس ولا يصيبها أذى، وبالفعل تجمع المارة لمعرفة سبب ذلك ومنهم أحد أفراد العصابة وقد ظن أن أحمد لطمها وهرب.

 

التنقل السريع