-5-
دع قلبك يتمسك بفرصته للحياة
فربما
تكون أجمل فرصة للاختيار
انطلقت ندى بسيارتها بعد أن تظاهرت أنها استردت وعيها، وقد
أعجبت بلهفة الناس في أسئلتهم لها عما حدث، حتى أن إحدى السيدات عرضت عليها أن
تصطحبها بسيارتها الخاصة إلى أقرب مستشفى، رفضت بابتسامة وشكرتهم جميعا وأخبرتهم إنها
بخير. تابعت السيارة التي كانت تتعقبها عن طريق مرآة السيارة واستمرت في السير حتى
تأكدت أنها اختفت وقد نجحت حيلة الشاب في الافلات منهم.
تمتمت " أشعر أنني يجب أن أساعده ولا أجد سببا لهذا
الشعور، قد يلحقون به ويقتلونه، لا، لا، سوف ألحق به".
كانت قد تجاوزت تقاطع شارع التحرير مع شارع النيل، فعادت مرة
أخرى إلى المكان الذي تركت فيه أحمد قبل النفق وظلت تبحث عنه ولكنها لم تجده، همّت أن تنطلق بالسيارة شاعرة بخيبة أمل في أن تحقق تلك الرغبة
الدفينة في مساعدة أحمد ولكنها وجدته سائرا
بخطوات سريعة. اقتربت منه بالسيارة وأشارت إليه ليركب إلى جانبها وقالت بصوت
مرتفع:
- هيا (ثم مالت إلى الباب المقابل وفتحته)
ابتسم وهو يركب السيارة وقال:
- ألا تشعرين
بالخوف (يركب السيارة وتنطلق بهما)
ابتسمت وقالت:
- الآن، لا، هذه
المرة بحثت عنك لأساعدك، من الواضح أنك تشعر بالإجهاد، إلى أين
وجهتك؟
قال ومازالت الابتسامة تزين وجهه:
- سأوافق أن تساعديني ولكن بشرط.
نظرت اليه ندى وقد عقدت حاجبيها
- شرط!!؟
قال أحمد وقد حافظ على ابتسامته وعدّل من جلسته ليواجهها قليلا:
- شرط صغير؛ أن تلبي
رغبتي فيما يخص أمري.
ابتسمت بعد أن أدركت
هدفه:
- أوافق، بشرط
أن تحكي لي حكايتك.
ابتسم أحمد ثم نظر في مرآة السيارة ليراقب من خلفه وقال:
- سأخبرك بكل شيء في الوقت المناسب، وماذا عنك؟
ابتسمت ندى:
- صراحةً، لقد خلصتني من مشكلة كبيرة كان من الممكن أن أعاني منها
طول حياتي.
شردت قليلا ثم أضافت:
- لقد خلصتني من حيرة
كبيرة.
عقد أحمد حاجبيه والتفت إليها وقال:
- كيف خلصتك من مشكلة وأنا أخشى أن أكون قد أقحمتك في
مشكلة كبيرة؟ وما هي هذه المشكلة؟
ابتسمت ندى وقالت وقد راقتها دهشته:
- فيما بعد
سأخبرك بكل شيء، ما هي حكايتك؟
ابتسم وقال:
- تردين بالمثل؟ حسنا، سأحكي
لكِ، ولكن استمري في القيادة في شوارع جانبية قدر الإمكان وسوف أخبرك بوجهتي.
صمت قليلا ثم ظهر عليه التأثر وأردف:
- أنا من أسرة بسيطة، حياتي كانت عادية، قضيتها
وسط أسرتي، أب يكد ويعرق من أجل أبنائه وأم تفعل ما بوسعها لرعاية زوجها وأبنائها،
قضيتها بين الدراسة والعمل أثناء الإجازة وأصدقائي، تغيرت حياتي، بل وانقلبت رأسا
على عقب، بعد الحادثة. كنت في الجامعة، في السنة الثالثة في كلية التجارة وكنت أضع
أمامي هدفا محددا، وهو إنهاء تعليمي ثم الالتحاق بإحدى الشركات. وفي ذلك اليوم، وهو
يوم من أسوأ أيام حياتي..
أخذ نفسا عميقا ثم استطرد:
- كنت أعبر الشارع أمام الجامعة، وفجأة صدمتني إحدى
السيارات المسرعة وكان من الواضح أن السائق مخمور أو فقد وعيه فجأة لأنه صدمني
ثم انحرف بالسيارة ليصطدم بإحدى المَسَلاّت في الميدان،
وفقد السائق حياته وتحطمت السيارة، كما فقدت أحلامي وتحطم مستقبلي. تكسرت عظامي وأمضيت ثلاثة سنوات أتنقل بين المستشفيات، وقمت بعمل تأجيل دراسة وأصبحت حياتي بلا هدف، وأثناء
وجودي بالمستشفى كان كل الأطباء والطبيبات والممرضات يعرفونني وأرى في عيونهم نظرة الشفقة اللي كانت تقتلني أكثر
من الألم الذي كنت أشعر به، وأجرى لي الأطباء أكثر من ستة عمليات ما بين بسيط وخطير. ولكن
منذ ما يقرب من عام، عاد إلي الأمل من جديد عندما أخبرني أحد الأطباء أنني سأجري آخر
عمليتين والأمل كبير في أن أعود لسابق عهدي وأن أحد الأطباء المشهورين
سيحضر قريبا ليقوم بعمل مثل هذا النوع من العمليات، وبالفعل تم ما أخبرني به، حدث كل هذا وأسرتي تتعذب بتكاليف العلاج والعمليات
والسفر اليومي وكانوا يقسمون أنفسهم إلى ورديات حتى يكونوا بجانبي. الحمد لله، رجعت
لحالتي بعد العمليات ووقت طويل من العلاج الطبيعي.
أدارت ندى عجلة القيادة وصمتت قليلا ثم أردفت:
- وما حكاية العصابة التي تطاردك؟
أضاف أحمد:
- خرجت من المستشفى مبكرا عن موعد خروجي لظروف ترجع للمستشفى وقدري
أن يعطيني الطبيب الذي كان يتابع حالتي معطفا هدية، وأثناء خروجي من. . . . . . . . . . . . .
. . . ثم قص عليها قصته حتى قابلها.
ابتسمت ندى ما أن استمعت لقصته وقالت:
- أشعر أنني أمام فيلم
سينمائي غريب.
شخص أحمد ببصره ثم قال:
- الحياة بها ما هو أغرب
من الأفلام، بل بها ما هو أغرب من الخيال.
نظر إلى عينيها وابتسم ثم قال:
- بعد أن سمعت قصتي ألست
معي أنك أجمل ما حدث لي منذ خروجي من المستشفى؟
تغير لون وجهها إلى اللون الوردي وقالت وهي تبتسم:
- وماذا عن الحقيبة؟
ابتسم أحمد وقد فهم رغبتها في تغيير الموضوع:
- لا أعلم إن كانت خيرا أم شرا.
حاولت أن تتخلص مما تشعر به فنظرت إليه باهتمام وقالت
بحماس:
- يجب أن تسلمها للشرطة، بعيدا عن الخير والشر والصحيح والخطأ، فهذه الحقيبة ستجلب لك الخطر.
من المؤكد أن الشرطة على علم بما جرى وينقصهم أن
تتعاون معهم ليكتمل المشهد والأهم من ذلك هو الوقت فيجب أن تغير الفندق لأن
العصابة وصلت إليه.
عقد أحمد حاجبيه وقال:
- لقد غيرته بالفعل، فبعد
أن تركتك في السيارة
طلبت من أحد اصدقائي المقربين أن يذهب للفندق
ويأخذ متعلقاتي ويذهب بها لفندق آخر خشية أن يتبعوني.
أطالت النظر إلى عينيه كمن يبحث عن شيء وقالت:
- أشعر أنك
تخفي عني شيئا ما.
اقترب منها قليلا ثم همس إليها:
- سيصبح كل شيء على ما يرام ما
دمت بجانبي.
احمر وجهها خجلا، لاحظ أحمد
ذلك. صمت قليلا ثم أخبرها بوجهته؛ الفندق الآخر الذي انتقل إليه وقال:
- لا أريد أن أسبب لك أي
مشكلات أو أكون سببا في ضرر لكِ.
قالت بلهجة جادة وهي تدور بعجلة القيادة:
- لقد فرضت علي في البداية أن أساعدك والآن أنا من عرضت عليك أن
أساعدك. لقد أسديت إلي معروفا دون أن تعلم، ولهذا حديث آخر
وسأخبرك به بالتفصيل، ولكن عليك الآن أن تكون حذرا جدا فلن تتركك هذه العصابة بهذه
السهولة، لن تتركك إلا عندما تعيد الحقيبة لهم.
ابتسم ورجع بجسده إلى الخلف وقال:
- لا تقلقي، سوف يلهمني
الله الصواب. سأقضي الليلة في الفندق وغدا صباحا سأتوجه إلى قريتي حتى لا يذهب أي من أسرتي إلى المستشفى ويتفاجأ بعدم
وجودي. سوف نبقى على اتصال.
أخرج هاتفا صغيرا من جيب سترته ثم طلب منها أن تعطيه رقمها
ففعلت، وأعطاها رقمه أيضا. طلبت منه ألا يتحرك دون علمها حتى لا تقلق عليه. تبادلا
النظرات لبرهة دون أن ينطقا بكلمة. قد يكون الصمت أبلغ من الكلام أحياناً.
دخل أحمد الفندق الثاني وصعد إلى غرفته، على باب الفندق، كان هناك شخص
يتحدث في الهاتف.
- حسنا. . . رشا،
وصل إلى الفندق، والفضل لك طبعا في معرفة الفندق الجديد. . . . . لا يصمد أحد أمامك
بالتأكيد. . . . اسمه أحمد، لقد دخل الفندق وصعد
إلى غرفته. أتحدث إليك من أمام الفندق (صمت برهة) حسنا، سأنتظرك أمام الفندق، سلاما.
أحيانا رغم بساطة الأشياء ووضوح بعض التصرفات إلا أن الآخرين
بعضهم وليس كلهم يرون أن هذا يعد من الأشياء
الخارقة. فمن الممكن أن
تقدم على فعل عادي أو قول عادي ولكن يراه الآخرون ضخما وخارقا للطبيعة. أحيانا جهل
الآخرين بكل تفاصيلك يضفي نوعا من الغموض والمبالغة في تأويل تصرفاتك وسلوكك. هذا
ينطبق على ما يراه أحمد في ندى وما تراه ندى في أحمد وما يراه رجال العصابة في أحمد.
ندى لا تعلم ما يدبره أحمد أو يفكر فيه، لذلك تعتقد أو ترى تصرفاته
وسلوكه خارقا للعادة، يدور بخلدها كيف أن شخصا مثل أحمد خرج لتوه من المستشفى بعد
قضاء فترة طويلة استطاع أن يفعل ما فعله بل وغامر بمستقبله ولم يخش مثل هذه
العصابة.
أحمد رأى في ندى الفتاة الجريئة القوية الشجاعة التي لا تخشى شيئا، ساعدته
ولازالت تساعده وهي لا تعرفه. العصابة رأت في أحمد الشخص الغامض الذكي الذي استغل
الفرصة التي جاءت إليه ليحقق أفضل استفادة منها واستطاع أن يتغلب على عصابة كبيرة
كهذه ومازال يحاورهم حتى الآن.
