-6-
ما أجمل
الخلاص على يد الحبيب
فله
نكهة الشفاء على يد الطبيب
فالثقة
في الحالتين هي مصدر الاطمئنان
حرك ندى من الداخل دافع الخلاص من ابن خالتها الذي تشعر
بالعجز في التخلص منه لأنها إن رفضت ارتباطها به فإن خالتها ستغضب وسيكون ذلك سببا
في التفرقة بين الأختين، كما تخشى غضب والدتها وهي تعلم أنها تريدها أن تتزوج لتطمئن عليها قبل انقضاء الأجل
كما كانت تقول لها. أيضا كانت تخشى إن عارضتها أن يحدث لها انتكاسة صحية، لأن
والدتها متمسكة بارتباطها من ابن خالتها وتراه عريسا متكاملا ومناسبا جدا لابنتها،
بينما ندى لا تشعر نحوه بأي أحاسيس وحاولت أن تتقرب منه ولكن لا فائدة.
هذا الموقف الذي حدث، وظهور أحمد المفاجئ وموقف ابن
خالتها، الذي لم يفعل شيئا، وكان لديه الفرصة ليقاوم أحمد أو يبدي أي ردة فعل، ولكن مع ذلك لم
يفعل شيئا، دفعها إلى أن تقرر استثمار ذلك في الخلاص من مشكلتها هذه دون أن تغضب
والدتها.
بعد أن تركت أحمد أمام الفندق عادت إلى منزلها بمنطقة
المهندسين. شاهدت سيارة تامر –ابن خالتها- فعلمت أنه وخالتها في شقتها. قبل أن
تصعد إلى المنزل، اتجهت إلى صيدلية قريبة واشترت زجاجة قطرة للعين ثم صعدت إلى شقتها،
وقبل أن تضغط مفتاح الجرس مزقت ملابسها وأفرغت القطرة في عينيها وتظاهرت بالبكاء.
ضغطت جرس الباب ثم ألقت بنفسها بين يدي والدتها وصرخت:
- ماما. . ماما
ظهر الذعر والقلق الشديد على
وجه الأم وقالت:
- ابنتي، ماذا
بك؟ ماذا حدث؟
نظرت إلى تامر وأشارت إليه وقالت وهي تتصنع البكاء
بمهارة:
- اسأليه، كيف تركني
بمفردي مع لص في السيارة ولم يحاول إنقاذي؟
زاد توتر الأم وقلقها وقالت وهي تضمها إليها:
- أخبريني ماذا حدث؟ كيف
حدث هذا؟
تظاهرت ندى بمحاولة الهدوء وقالت:
- بينما نحن
بالسيارة، أراد تامر أن يلمسني فرفضت، فغضب مني وترك السيارة ووقف خارجها، ثم فجأة
جاء شخص ودفع تامر وقفز داخل السيارة وأخرج سكينا وهددني به وطلب مني أن أقود السيارة بسرعة، حاولت أن أستغيث
بتامر ولكني وجدته ملقى على الأرض كأنه يخشى أن يقوم ليواجه اللص، اضطررت إلى أن أنفذ
طلبه وانطلقت بالسيارة ثم طلب مني أن. . .
(تصنعت الانهيار وارتمت في حضن والدتها)
تماسكت الأم ولكن غلبها البكاء وقالت:
- كفى حبيبتي،
كفى..
اتجهت إلى تامر باللوم وبنبرة عالية حادة، تحمل الغضب والعتاب والاحتقار:
- وأنت، هل تترك ابنة
خالتك وخطيبتك، تترك لحمك ودمك مع مجرم، تتركها بكل بساطة، كان من الممكن أن تمنعه
بأي طريقة، افتح باب
السيارة وخلص ندى واتركوا له السيارة، تصرف بأي
وسيلة.
عقدت الصدمة لسان تامر وهمّ أن يتكلم فلم يستطع.
رأت ندى أن هذا هو الوقت المناسب لتنسحب لكي تترك مجال
الخيال مفتوحا، لكي يتخيل تامر ما يتخيل، وتظن خالتها ما تظن وتحتفظ هي بالحقيقة
لتخبر والدتها بها في الوقت المناسب.
اتجهت الأم إلى أختها وابنها بالحديث، وهي في حالة بكاء
شديد وقالت:
- هل يرضيكِ ما حدث؟
لماذا أخذتها إلى مكان مثل هذا؟ لقد جعلته يطمع في ابنتي، من المؤكد أنه ظن بها السوء، إن كنت لا تقدر على حمايتها فلماذا تذهب بها هناك ولماذا ذهبت
بها هناك، ماذا كنت تريد منها، أتتركها لمثل هذا
المجرم، إن الله وحده يعلم ماذا فعل بها. ندى، ندى.
نادت على ابنتها ثم أسرعت في اتجاه غرفة ندى ودخلت إليها وأغلقت
الباب.
اتجهت الخالة بالحديث إلى ابنها والاستنكار يغلف كلماتها:
- لا أجد ما أقوله؟ أتترك ابنة خالتك مع مثل هذا المجرم. أتتركها لوحش
يفترسها؟
كان العرق يكسو وجهه فمسحه بمنديل وقال:
- لم أتركها، لقد دفعني
بشدة وخشيت أن يقتلنا إن قاومنا وظننت أنه يريد السيارة فقط.
خرجت الأم من الغرفة ووجهت الكلام إلى تامر:
- انتهى الأمر يا بُني
أعطته علبة صغيرة كانت تمسكها ثم استطردت:
- ندى لم تعد من نصيبك، من لم يستطع أن يحافظ على ابنتي لا يستحقها ولا أعتبره
من صنف الرجال.
قالت الخالة وقد خيم الحزن عليها:
- أريد أن أطمئن،
ماذا حدث لندى؟
ردت الأم وهي تمسح دموعها:
- إنها منهارة
بالداخل وعندما تهدأ سوف توضح حجم المصيبة. لله الأمر من قبل ومن بعد (كررت الجملة
كثيرا)
أخذت الخالة العلبة ثم نظرت إلى ابنها باحتقار وخرجا من
الشقة. اغلقت الام باب الشقة. خرجت ندى من الغرفة وقد بدلت ملابسها وعادت لطبيعتها.
كانت ملامح الاطمئنان واضحة عليها.
جلست على الأريكة وجاءت الأم بجانبها
نظرت الأم الي ندى وقالت بلهفة:
- أكملي كلامك
يا ابنتي؟ ألم يقترب منك، ألم يلمسك؟
ردت ندى سريعا دفاعا عن أحمد
- إطلاقا يا أمي،
لقد كان لطيفا جدا واعتذر لي كثيرا لأنه سبب لي إزعاجا، وعلل ما فعله بأن ذلك كان الحل
الوحيد الذي كان أمامه لكي
يهرب ممن كانوا يلاحقونه.
قالت الأم وقد اطمأنت:
- الحمد لله
نظرت إلى ندى، ثم ابتسمت وقالت:
- أشعر في كلامك بشيء
غريب ولكن هذا ليس وقته
ابتسمت ندى وقد لاحظت ما وراء كلمات أمها.
اعتدلت الأم في جلستها وقالت بنبرة عتاب وتعجب:
- لماذا فعلت كل ذلك أمام خالتك وابن خالتك؟
قالت ندى بنبرة حادة بعض الشيء:
- لأنه كان من
الممكن أن يفعل بي ذلك الشخص أي شيء، كان من الممكن أن يعتدي علي أو يقتلني، لو كان سارقا لم أكن لأعود لا أنا ولا السيارة، وتامر ليس بالرجل الذي يحمي زوجته ولا يؤتمن على
مستقبل أسرة، كيف أشعر بالأمان مع هذا الجبان الذي تركني لرجل غريب. حتى أنه لم
يذهب للشرطة لإبلاغهم بالحادثة.
هزت الأم رأسها وكأنها تؤمن على كلام ندى وقالت:
- بالفعل يا
ابنتي، معك كل الحق، إن الرجل
هو من يشعر زوجته بالأمان وهي معه، أن يحميها
ويغار عليها ويشعرها أنها قطعة منه، يبذل من أجلها الغالي والنفيس للحفاظ
عليها. يضحي ولو بحياته من أجل شرفه وعرضه.
راق لندى أن والدتها أيدت رأيها وقالت:
- أمي أنا لم أر
في تامر أي صفات
مما أريدها في زوجي فأنا أريد رجلا ناجحا في حياته العملية يشعرني بالأمان تجاه مستقبلي ومستقبل أولادي. أريد أن يكون زوجي هو
صديقي لكي أستطيع أن أبوح له بأسراري ويستطيع أن
يحل كل مشاكلي. أريد أن يكون زوجي رومانسيا في أسلوبه معي وأفكاره وعباراته، قويا في شخصيته ليتحمل مسؤوليتي ويكمل ضعفي بقوته،
ذكيا ليستخدم كل إمكانياته في إسعادي.
هزت الأم رأسها مرة أخرى وقالت:
- كما تريدين
يا ابنتي، هذه حياتك، وأنا لا أريد إلا الاطمئنان عليكِ، وأن أتركك في يد أمينة
تحافظ عليكِ.
اقتربت من ندى وضمتها إليها وقالت:
- الحمد لله أنك
بخير، ولكن ماذا أقول لخالتك عندما تسألني عنك؟
قالت ندى وهي لا تزال في حضنها:
- اطمئني، لن
تكلمك وإذا تحدثت إليك عني فبالغي
في تأكيد أنني
بخير وأن هذا المجرم لم
يلمسني، فمن المؤكد أنها شكت أنه فعل بي الكثير، ولن تفتح موضوع الزواج مرة أخرى.
ابتسمت الأم وقالت:
- يا لك من عفريتة،
قامت من جلستها وقالت:
سأحضر لك كوبا من عصير الليمون يريح أعصابك فمن المؤكد أنك تحتاجين إلى الراحة. اشربي الليمون ثم
اذهبي للنوم.
ابتسمت ندى وقالت:
- سمعا وطاعة يا أجمل أم.
نظرت الأم إلى ابنتها بابتسامة سعيدة بذكاء ابنتها وما
جعلها أكثر سعادة أن ابنتها بخير فكأنها لم تلاحظ أن ابنتها نضجت إلا هذا اليوم.
ينشأ صراع دائم
بين الأم وابنتها نتيجة اختلاف التفكير وصراع الأجيال، الصراع الحتمي الذي يحدث بين جيلين مختلفين فكريا وثقافيا. تريد
الأم أن تحيط ابنتها بسياج من نصائحها وترى أن
هذا هو المفروض عمله وأنه الصواب دائما، تحاول الأم أن تخطط
لابنتها مستقبلها المثالي من وجهة نظرها وهي لا تدرك أن ابنتها لها شخصية مستقلة تريد أن تبني مستقبلها وتخطط له مع من تختار هي لا من تختار والدتها.
تشعر الابنة أن السياج المصنوع حولها من النصائح
والأوامر هو سجن تريد أن تفر منه. كانت العلاقة بين ندى ووالدتها كذلك حتى توفي
والدها وقامت الأم بدور الأب والأم. تخشى ندى أن تفقدها هي الأخرى فكانت ترضخ
لرغبات والدتها حتى لا تغضبها. زواجها من تامر كان من ضمن رغبات والدتها القوية، فالأم
تريد أن تضمن لابنتها مستقبلا مع ابن أختها ترتاح فيه لأنه متيسر ومن العائلة
وتمشيا مع المثل المعروف "جحا أولى بلحم طوره " كما كانت تقول لها دائما
تلميحا إلى أن تامر متيسر الحال ودائما ندى ترد
عليها ببعض الدعابة لتخرج من الموضوع " يا ترى من جحا ومن الطور ".
