القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

اتجاه اجباري - الفصل السابع

  


-7-

 

أشعر أنني على قيد الحياة

عندما يكون لي دور فيها


 

استيقظ أحمد مبكرا كعادته ثم جلس في الشرفة لكي يشاهد جمال النيل وهذه المرة كان يشاهده من موقع مختلف، في المرة الأولى كان يرى النيل بمنطقة الدقي أما الآن فإنه كورنيش العجوزة. تمتم أحمد " إن مشاهدة النيل من هنا مختلفة فهناك يبدو أكثر هدوء حتى في الصباح الباكر". سمع طرقات خفيفة على باب الغرفة، عرفها سريعا وابتسم ثم أسرع وفتح الباب، دخل شخص يرتدي نظارة سوداء كبيرة تخفى جزء كبيرا من ملامح وجهه. دخل سريعا دون أن يتكلم. أغلق أحمد الباب بعد أن تلفت يمينا ويسارا ثم صافح الضيف بابتسامة:

- رؤيتك ترسل إلي رسائل التشجيع والاطمئنان

ابتسم الضيف ثم قال بعد أن ربت على كتف أحمد وأشعل سيجارة:

- أنا أتابعك من بعيد ولقد قمت بدورك حتى الآن على أكمل وجه، لكن هناك خطأ واحد

تعجب أحمد وقال بلهفة:

- ما هو؟

رد الضيف سريعا

- لقد قفزت إلى سيارة الفتاه بعد أن دفعت الشاب، سيارتنا كانت تبعد مائة متر تقريبا عن سيارة الفتاة

ظهر الضيق على أحمد وقال:

- أعلم أنني أخطأت، لكن قوتي كانت قد نفذت وشعرت أنني سأسقط وتفشل الخطة، فلما رأيت باب السيارة مفتوحا وفي حالة استعداد، لم أجد أمامي إلا فعل ذلك.

قال الضيف بعد أن وضع السيجارة في منفضة السجائر وأشعل الثانية:

- كانت هذه خطوة هامة لكشف الأماكن التي تستخدمها العصابة في عملياتها، وها هو أول الأماكن ينكشف. أتوقع الخطوة القادمة ستكشف لنا مكانا آخر.

نظر إليه ثم أضاف:

- يجب أن تأخذ حذرك في المرة القادمة، لو كان الشاب قد قاومك أو أسرعت الفتاة بترك السيارة وأخذت المفاتيح معها أو كانت السيارة بها عطل، كان موقفك سيصبح سيئا جدا وربما فشلت العملية أو أصابك سوء أو تدخلنا نحن وفشلت أيضا العملية.

تضاعف شعور أحمد بالأسف وقال:

- لا أستطيع أن أعبر لك عن أسفي لهذا الخطأ

أدرك الضيف أنه أثقل بلومه على أحمد فقال بابتسامة:

- حسنا، لا عليك، مرت بسلام الحمد لله. المرحلة القادمة هي الأكثر أهمية يا بطل، أنت تفهم الخطة جيدا وتحفظ ما ستفعله في جميع الاحتمالات.

ارتسمت ملامح الجد على وجه أحمد واستطرد:

- أحفظ دوري تماما، لا تقلق، سيادة المقدم

قطب الضيف جبينه وقال:

- لا داعي لمناداتي بهذا اللقب، نادني بحسام فقط

ابتسم أحمد وقال:

- حسنا يا حسام

ابتسم حسام وأضاف:

- سنراجع سويا التعليمات الخاصة بالمرحلة القادمة وتكرار ما ستفعله في جميع الاحتمالات.

قال أحمد بجدية تامة:

- لا تقلق فأنا أحفظها جميعا عن ظهر قلب، ولكن لا بأس من التكرار.

جلسا وراجعا سويا جميع الاحتمالات والخطوات في المرحلة المقبلة. خرج حسام بعد أن انتهى من جلسته مع أحمد بعد أن ارتدى نظارته السوداء الكبيرة. شرد أحمد قليلا ثم قام وارتدى ملابسه ونزل إلى المطعم لتناول الإفطار. أخرج هاتفه وقال: " حسنا. . . الأمر يبدو منطقيا. . . أشعر أني مراقب. . . . صحيح، حسنا. . . . . سلاما " أغلق هاتفه ثم أكمل طعامه حتى انتهى وكان يراقب كل من حوله بحرص بالغ.

 

خرج أحمد من الفندق. كانت ندى تنتظره في السيارة أمام الفندق. كان هناك من يجلس في سيارته ويراقب أحمد من أفراد العصابة. من بعيد كان هناك شخص واقف يبتسم وهو يراقب المشهد بأكمله.

ركب أحمد السيارة مع ندى ولكن رجل العصابة ظل يراقب الموقف حتى انطلقت بهم سيارة ندى فانطلق خلفها. وصلت السيارة إلى محطة الوقود ولاحظ أحمد السيارة التي تسير خلفهما. عدل من جلسته وقال بطريقة جادة بعد أن كان يلاطفها منذ أن ركب بجوارها:

- ندى، هناك سيارة تراقبنا منذ خروجنا من الفندق.

ظهر عليها الانزعاج وقالت:

- حقا، وماذا سنفعل؟

عقد أحمد حاجبيه وقال:

- تصرفي عاديا جدا، وبعد أن ننتهي من هنا، اذهبي إلى أي محل ملابس تعرفينه جيدا بشرط أن يكون له بابين، ادخلي من أحدهم واخرجي من الآخر. اتركي أولا السيارة في أي مرآب سيارات وفي اليوم التالي اتصلي بهذا الرقم (أعطاها ورقة بها رقم تليفون) وأخبري من يرد عليكِ" أريد ميكانيكيا جيدا" ثم أخبريه بعنوان واسم المرآب وسوف تصلك السيارة بعد يوم دون أن يتعقبها أحد.

اقترب عامل المحطة من السيارة ثم وضع خرطوم الوقود في مخزن وقود السيارة، انتبهت ندى لما يقوم به العامل وتابعته ثم التفتت الى أحمد وقالت:                                                                                

- ما هذا، لقد بدأت أشعر أنك تعمل بالمخابرات.

ضحك أحمد قليلا ثم قال:

- أتمنى ذلك.

ابتسمت ندى وأخرجت بعض النقود وناولتها للعامل ثم قالت:

- وماذا ستفعل أنت الآن؟

نظر إليها نظرة مباشرة وقال:

- سأتركك الآن وأذهب لمحطة القطار، سأذهب لقريتي وأعود إليك لنفعل ما اتفقنا عليه.

ظهر عليها القلق وقالت:

- كن حذرا، وحاول أن تطمئنني باستمرار.

نظر أحمد أمامه ثم قال وكأنه يوجه الكلام لنفسه:

- يجب الحذر.

نظر إليها أحمد ثم ودعها بإشارة من يديه.

خفض أحمد رأسه ونزل من السيارة ثم اتجه إلى الجزء الخلفي من محطة الوقود واختفى وسط الزحام.

نفذت ندى ما قاله أحمد لها للتخفي من العصابة، فذهبت إلى محل في أحد شوارع وسط البلد ودخلت المحل، بحثت وسط الملابس عن شيء يناسبها ثم اشترت بعض الملابس التي غيرت من شكلها تماما. خرجت ندى من باب آخر للمحل وقفت قليلا ثم أشارت لتاكسي وركبته وانطلق بها ولم يتبعها أحد.

لا يكون لهذه الحياة التي نعيش فيها معنىً أو قيمة دون أن يكون للإنسان فيها دور يقوم به، يشعر من خلال قيامه بهذا الدور بوجوده وأهميته في الحياة. أن تشعر بالحاجة لفعل شيء وأن تجد بداخلك عرقًا مجهولًا ينبض بطلب تأدية دورٍ لا تعرفه، تلك هي لذة القيام بالدور. يريد الإنسان أن يشعر بأنه حقق ذاته وأثبت وجوده وترك بصمةً خاصةً به عندما يحقق شيئًا وهو متعطشٌ لشعور النجاح والإنجاز. كان هذا الشعور يدفع ندى للقيام بدورها مع أحمد، ربما لأنها كانت تمر بحياة رتيبة لا جديد فيها. وخاصة بعد أن تركت العمل. ومع ظهور أحمد وجو الإثارة الذي يحيط به واعتماده عليها بشكل خاص وسره الذي ائتمنها عليه، تولد لديها إحساس بأهمية دورها الذي تلعبه في حياته بل ومحورية هذا الدور. زاد ذلك الشعور من إحساسها بالرضا النفسي والراحة الداخلية ومهما شعرت من تعب من أداء هذا الدور أحست بلذة هذا التعب لأنها تتعب بإرادتها للقيام بدور هام تجاه من تحب، لذا يسمى ذلك بـ "التعب اللذيذ".

 

 

 

التنقل السريع