القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

اتجاه اجباري - الفصل الثامن

  



-8-

 

ألقى أحبتي لأنهل من أُنسهم

وأطرد الأحزان من نفسي المتعبة


 

وصل أحمد إلى محطة القطار وذهب إلى شباك التذاكر، وقف في طابور طويل ليحصل على تذكرة، انتظر أحمد بعض الوقت واقفا في الطابور وشغل نفسه بمشاهدة الزحام، ظل يتأمله كأنه يستمتع بذلك الشعور الذي ينتاب الشخص الهارب من صحراء لا يرى فيها أحدا وهو من اعتاد الزحام، فمهما كان الزحام شديدا ولكنه أفضل عنده من صحراء لا يجد فيها أحدا. شاهد الرجل المسن الذي بالكاد ينقل أقدامه من موضع لآخر، الشاب الفتي الذي يشق الحشود ليجد موضعا لقدمه وسط هذا الحشد، المرأة التي تحمل فوق رأسها الأمتعة أو تجر أولادها بينما تحمل آخرين. ظل يستمتع بصور كثيرة شغلت تفكيره حتى وصل إلى الشباك. نظر إلى القطار قادما من بعيد ثم دار بعينيه ليشاهد الاستعداد في عيون المنتظرين كأنه يحمل إليهم الأمل بالعودة إلى بيوتهم والراحة بعد عناء طويل.

وصل القطار وتدافعت الحشود بين قوي وضعيف، وبعد شد وجذب وجد أحمد موضعا لقدمه ليقف فيه وسط هذا التكدس ليتجه إلى موطنه. وكان يقف قرب باب القطار ينظر خارجه ولا يرى إلا وجها يألفه، وجه مثل بالنسبة له أملا ينتظره، أمل في الغد رغم مخاوف كثيرة من المستقبل، إنه وجه ندى، رأى وجهها مبتسما كأنها تعده بالسعادة ، ظل هكذا لفترة طويلة. لم يوقظه من أحلامه إلا صوت الباعة الجائلين بالقطار.

وصل القطار إلى مركز بني سويف، استقل أحمد سيارة أخرى ليصل إلى بلدته قرية باروط، وهي قرية صغيرة تقع ضمن قرى مركز بني سويف محافظة بني سويف. القرية هي الطبيعة بجمالها وإشراقها وضيائها، وخضرتها ومائها، ورقة هوائها وزرقة سمائها. هي صياح الديوك وتغريد الطيور، مأمأة الخراف، مواء القطط ونباح الكلاب وخوار البقر وخرير الساقية وأنين الناي، هي رائحة العشب، الخبز البيتي والحليب الصافي، والعسل الطبيعي، هي السماء الصافية والنجوم التي تتلألأ في السماء، هي الحب البريء ونظرة الحياء في عيون البنات، هي التمسك بالعادات الحميدة التي توارثناها عن آبائنا وأجدادنا من إغاثة الملهوف واحترام الكبير وإعانة الضعيف ورعاية حقوق الجار. ينعم الناس فيها بالشمس والهواء العليل والليل الهادئ والقمر والحرية، فنجد فيها ملاذا من الصخب والضوضاء والقلق والتلوث.

شعر أحمد كأنه استرد صحته وشفاه رحيق قريته من سموم المدينة بما فيها، وما أن وصل إلى منزله حتى ارتفعت الزغاريد وارتمى في أحضان والديه وأخيه محمود وأخته زينب وكم كان يفتقد دفء الأسرة ودفء البيت الذي تربى فيه وقضى فيه أيام طفولته. فرحت الأسرة كلها بخروجه من المستشفى. هكذا تشعر كأنك أحب إلى والديك من إخوتك إن كنت صغيرا حتى تكبر أو مريضا حتى تشفى أو غائبا حتى تعود.

 

قال والده وهو يضمه إليه مرة أخرى:

- لولا أننا اطمأننّا عليك الأسبوع الماضي وأنك أصبحت بخير وتحركت أمامنا، لما وافقنا أن تخرج من المستشفى بمفردك.

ابتسم أحمد وكأنه يفكر فيما سيقول لكن صمت والده قليلا ثم أضاف:

- حتى الآن لم تخبرني لماذا مكثت أسبوعا إضافيا في المستشفى؟ رغم أن الدكتور صفوت قال إنه يمكنك الخروج ولكن الدكتور شادي أصر أن تمكث أسبوعا إضافيا ثم تعجبت من إصرارك أنت أيضا أن تخرج بمفردك ولا نحضر لاصطحابك، بل لم تحدد اليوم الذي ستخرج فيه.

رد أحمد سريعا وكأنه يحفظ الإجابة عن ظهر قلب:

- إصرار دكتور شادي كان بسبب رغبته في الاطمئنان علي، ولسبب آخر هو حرصه على ترتيب موعد لي مع أحد رجال الأعمال لاستلام عمل عنده وهذا الرجل وقته محدود ومواعيده غير محددة، أما إصراري أن أخرج بمفردي كان بسبب هذا اللقاء بحضور الدكتور شادي.

ابتسم والده وظهرت علامات الاقتناع بكلام أحمد وقال:

- لا عليك يا بني، حمدا لله على سلامتك، لكن شعرت بغرابة ما حدث فأردت أن يطمئن قلبي.

جهزت والدته الطعام والتفت الأسرة حول المائدة، قبل أن تجلس قالت له:

- كٌل يا بني، أنت بحاجة إلى الطعام لتستعيد صحتك

ابتسم أحمد وهو يمد يده إلى الطعام وقال:

- حاضر يا أمي، أنا بالفعل أشعر بالجوع

مرت ثوان وقال والده:

- حمدا لله على سلامتك يا بني. اليوم أتركك تستريح وغدا نبلغ الناس التي تحبك لكي تحضر للاطمئنان عليك. جميعهم ينتظرون عودتك لكي. . . . . . . (قاطعه أحمد)

- عذرا يا أبي، دعنا نؤجل هذه الزيارات، لأني سأعود غدا للقاهرة للتقدم إلى وظيفة رشحني لها أحد الأطباء الذين كانوا يتابعون حالتي بالمستشفى، أنت تعلم يا أبي أنني كنت على صلة طيبة بكل الأطباء وكفى ما ضاع من عمري.

ابتسم والده وقال:

- كما ترى يا بُني، هذه حياتك ولك أن ترتبها كيف تشاء.

انتهى أحمد من الطعام وجلس مع الأسرة يتجاذب أطراف الحديث حتى دخل إلى غرفته وما أن وضع رأسه على الوسادة حتى رأى شريط ذكرياته قد مر أمامه ثم توقف عند الحقيبة ثم ندى وغط في نوم عميق.

فجأة، استيقظ من نومه على صوت مرتفع " ماذا حدث " ثم صوت هرولة على درجات السلم المؤدي للدور العلوي من المنزل واختلط ذلك مع أصوات كثيرة وصرخات، تعرف على ذلك الصوت الذي صرخ إنه صوت أخته بينما أمه تبكي بشدة ووالده يقول " حسبي الله ونعم الوكيل" وإذ بأحدهم قد دفع باب غرفته بشدة ودخل رجل ملثم ولم يكد يرى أحمد حتى ضربه بشدة بمؤخرة مسدسه على رأسه وفقد الوعي. أفاق أحمد من إغمائه على مياه باردة صُبت على رأسه وبللت ملابسه بينما كان مقيدا فوق أحد المقاعد ثم سمع وقع أقدام قادمة من بعيد، كان صوت خطوات منتظمة، ثم رأى شبحا لم تظهر ملامحه. حاول جاهدا أن يتبين تلك الملامح حتى رأى شخصا رسم ابتسامة شيطانية على وجهه ثم حدثه بصوت مرتفع:

- أتظن أنه من الممكن أن تختفي عن عيوننا؟ أتظن أنه من السهل خداعنا، أنت أيها الحشرة سترى الآن جراء الحماقة التي ارتكبتها. حبيبتك التي ظننت نفسك تخفيها عنا هي الآن في أيدينا سوف تفقد أعز ما تملك وسوف تكرهك لأنك السبب، الآن فرج ينتظر الإذن مني بذلك. ثم صرخ بصوت عال:

"فرج"

سمع أحمد صراخ ندى ثم استرسل الرجل:

- النداء التالي ستسمع أصوات صرخات تعرفها جيدا. أختك زينب ستلقى نفس المصير وأخوك محمود سوف يفقد رجولته، أما والدك كبير السن ووالدتك الضعيفة فالموت أرحم لهما من رؤية أبنائهما يتعذبون.

صرخ أحمد:

- ماذا تريدون مني؟

اقترب الشبح بابتسامته الشيطانية وقال:

- ألا تعرف ماذا فعلت!! أين الحقيبة؟

صرخ أحمد وهو على وشك الانهيار وقال:

- سأخبركم بكل شيء ولكن اتركوهم أولا

لطمه الرجل بشدة على وجهه حتى سال الدم من فمه وقال:

- أخبرني أولا بكل شيء.

حاول أحمد إفلات يده من القيد ولكن بلا جدوى وقال:

- ولكن من يضمن لي. . . . . .

قاطعه الرجل وهو يصرخ قائلا:

- إنك تحاول خداعي لتكسب وقتا، أتظن أن أحدا يمكنه نجدتك الآن؟

رد أحمد سريعا قبل أن يزداد غضب الرجل

- أنا أريد الاطمئنان أولا

ضغط الرجل على أسنانه وصرخ

- فرج

صرخ أحمد خوفا من تنفيذ وعيده وقال:

- لا. . . . . . لا

وهنا استيقظ أحمد من نومه فحمد الله على أنه كان كابوسا واسترخى مرة أخرى لدقائق ثم ترك السرير.

خرج أحمد من غرفته ليتناول إفطاره مع الأسرة التي تبدو عليها السعادة بسبب عودة ابنها واسترداد عافيته. طلب أحمد من أخيه محمود أن يجهز له أوراق الجامعة لتقديم طلب استكمال دراسته وسعد محمود كما فرحت الأسرة جميعها بلهجة الإصرار التي تحدث بها أحمد.

ابتسم والده وقال:

- الآن أشعر بسعادة غامرة لأني أسمع منك هذا الكلام وألمس الحماس في صوتك، لقد كنت أخشى أن تشعر باليأس مثلما رأيت منك في آخر لقاء في المستشفى، لكن الآن أشعر بالاطمئنان لما أراك عليه الآن.

ابتسم أحمد لأنه يعلم أنه تغير بالفعل:

- الحمد لله يا أبي، أحيانا يشعر الإنسان بلحظات ضعف لكن الله يبعث دائما بشائر أمل له كي ينسى لحظات ضعفه.

حافظ والده على الابتسامة وقال:

- يا ولدي إن حياة الإنسان مليئة بالمنغصات والمشاكل التي تنغص الحياة وتجعلها جحيماً بعدما كانت نعيماً، وعندما نتدبر كتاب ربنا نجد أنه يدعو دائماً إلى التفاؤل، وحسن الظن، وانتظار الفرج. أمل مع صبر، دون جزع ولا فزع.

شرد أحمد قليلا وقال:

- الحمد لله يا أبي على كل حال وكل ما كان.

دار حديث طويل بين أحمد وأفراد العائلة فاطمأن على إخوته وتحدث إلى والده عن عمله وأقاربه ثم قام وارتدى ملابس جديدة وودع عائلته على وعد بلقاء قريب، أثناء طريقه إلى محطة القطار قابل العديد من الجيران والأقارب ورأى ترحيبهم به وتهنئتهم له بالرجوع سالما إلى داره وتعافيه.

وصل أحمد إلى محطة القطار ليستقل القطار المتجه إلى القاهرة. أثناء انتظار القطار في المحطة اتصل بندى وحدثها وبدت عليه السعادة وظل يحدثها لفترة ثم أنهى المكالمة. سرح بأحلامه فتخيل ندى وهي ترتدي ملابس العروس وهو بجانبها والأهل يهنؤونه على الزواج السعيد ويرى الفرحة على وجه والديه.

 

 


 

التنقل السريع