-9-
ما
أجمل الحب حين يأتي بغتة
يقوي
قلوبنا في مهب الريح
وصل أحمد إلى محطة مصر ووجد ندى في انتظاره خارج المحطة داخل سيارة أخرى
غير سيارتها، ركب أحمد السيارة ثم نظر إليها بشوق كبير وقال:
- كيف حالك، " وحشتني"
لاحظت نظرة الشوق في
عينيه فابتسمت وقالت:
- أنت أيضا
نظرت ندى أمامها ومازالت الابتسامة تزين وجهها واستعدت
للانطلاق بالسيارة، بينما ظل أحمد صامتا برهة ثم قال:
- هل هذه سيارتك؟
نظرت إليه نظرة سريع ثم عادت تنظر إلى الطريق وقالت:
- لا إنها سيارة ناهد صديقتي، أخبرتها أن سيارتي معطلة وأريد
اقتراضها لبضع ساعات
نظر إليها لبرهة من الوقت قبل أن يكمل حديثة قائلا:
- سنقف في أي مكان، ولن نذهب للفندق
نظرت إليه مرة أخرى وقد عقدت حاجبيها:
- لماذا؟ سأقوم بتوصيلك.
رد أحمد سريعا وقد ظهرت نبرة القلق في صوته:
- لا داعي لذلك، لقد غيرت الفندق، وأرجو منك أن تبقي بعيدة عن هذا الأمر لأني مقدم على طريق آخر
مختلف تماما عما مضى. ولا أريدك أن تتورطي في هذا الأمر أكثر من ذلك.
ارتسمت الجدية على ملامحها ثم قالت بنبرة متوترة:
- تراجع إذن إن كنت تظن الأمر به خطر علينا.
أشاح بوجهه بعيدا عن عينيها التي رمقته سريعا
- مستحيل إنه اتجاه إجباري
ولا يمكن التراجع الآن.
قالت على الفور ونبرة الإصرار واضحة في كلماتها:
- وأنا لن أتركك، ثم ماذا تخفي عني؟ لن أتركك وسأظل بجانبك.
ابتسم أحمد بشكل مفاجئ عكس سير الحديث وقال:
- في الحقيقة أنا في أشد الاحتياج إليكِ بجانبي، ليس الآن
فقط ولكن للأبد، ولكن أخشى عليك
مرت ابتسامة رقيقة بشفتيها ولكن حاولت التمسك بنبرة
الجدية في كلماتها:
- إن كنت حقا تحتاج إلي، فلماذا لا تريد مساعدتي وأنت على
أبواب خطر لا تعرفه
أجاب ببعض الجدية:
- أعلم أنني مقبل على خطر، ولكن كلما كنت بمفردي كلما كان
الخطر محدودا، أريدك أن تبتعدي عن هذا الخطر فلن أتحمل أن أكون سببا في أي ضرر لك.
قالت بشيء من الصرامة:
- أنا من اخترت أن أكون بجانبك للنهاية، وأنا المسؤولة عن
اختياري، أعطني الفرصة لأساعدك
أخذ شهيقا كبيرا ثم أطلق زفيرا بحجم الشهيق:
- إذن لا مفر، موافق أن تساعديني ولكن راقبيني من بعيد، وإذا
أحسست أنني بورطة أخبري الشرطة، من المؤكد أن العصابة يعرفون الفندق الجديد ويراقبونه
الآن.
بدا الارتياح على قسماتها بعد أن وافقها وقالت:
- حسنا سأفعل، ولكن لم تخبرني متى غيرت الفندق.
قال أحمد بعدما اكتسبت ملامحه مزيدا من الجدية:
- لن أستطيع أن أفسر لكِ أكثر من ذلك، لأنه كلما عرفت كثيرا زاد حجم الخطر الذي تتعرضين له.
عقدت ندى حاجبيها وقالت:
- لا تذهب إلى أي فندق ما دمت تعلم أنهم سيصلون اليك، دعنا نبلغ
الشرطة عن الموضوع بأكمله و. . .
قاطعها أحمد قائلا:
- لا لن يجدي هذا، سأخبرك فيما بعد
ظهر عليها بعض الضيق وقالت:
- لا تخف عني شيئا
حاول أحمد تخفيف حدة الحوار وقد شعر بضيقها:
- لا تقلقي، اذهبي للمنزل الآن وسوف أطمئنك بالتليفون.
قالت ندى وقد انتابها بعض القلق:
- عليك أن تكون حذرا من أجلي، من أجل أهلك الذين أضناهم التعب معك
كل هذه الفترة، أرجوك، لا تعرض نفسك للخطر.
ابتسم أحمد ونظر إليها برقة وقال:
- لا تقلقي، سأكون حذرا من أجلك، من أجلكم جميعا
تغير وجهها للون الأحمر لأنها أدركت ما قالت وأن أحمد قد لاحظه وقالت
لتغير الموضوع:
- أرجوك لا تخف
علي شيئا بعد ذلك
نظرت أمامها لأنها أرادت أن تعالج أمرا "فزادت الطين بلة"
ابتسم أحمد وقد أدرك ما تعاني فقال:
- عندما أنتهي من هذا الموضوع لن أخفي شيئا آخر عنك. عليك الذهاب للمنزل وألا
تخرجي حتى أخبرك. الموضوع مُنتهٍ. لا أريد أن يحدث مثلما يحدث في الأفلام، يخطفونك وأحاول إنقاذك ويموت أحدنا. أنا لا أحب هذه الأفلام. ولن
أتحمل أن يحدث لكِ مكروه وخاصة بسببي ولن أستطيع
أن أحيا بدونك. ولا أظن أنك تريدين أن تفقديني.
ردت ندى على الفور وقد أقلقتها كلماته:
- لا، لا تكرر هذا الكلام، وسأفعل ما تريد.
فتح باب السيارة وقبل أن يخرج من السيارة قال:
- سلاما، أخذت منك وعدا بتنفيذ ما طلبت منك.
ابتسمت ندى وقالت:
- حسنا، سأفعل لا تقلق
ترك أحمد ندى وانطلقت هي بالسيارة عائدة إلى منزلها. وقف يراقب
السيارة حتى غابت عن عينيه وتمتم "معذرة يا ندى، كذبت عليكِ ولم أغير الفندق
ولكني أخبرتك بذلك فقط لكيلا تأتي خلفي". أشار أحمد إلى سيارة تاكسي ثم اتجه إلى
الفندق. بينما ندى في طريقها إلى المنزل تفاجأت بتليفون أحمد على كرسي السيارة فقالت بطريقة عصبية " ما هذا، هل نسيه
أم تركه عمدا، أنا لا أفهم شيئا مما يجري).
اقترب أحمد من الفندق وشاهد سيارة سوداء تنتظر أمام
الفندق فتمتم " حسنا كنت أتوقع ذلك وهو المطلوب حاليا". خرج مجموعة من
الرجال من السيارة وأمسكوا به وأحاطوه ثم جذبوه وأجبروه على ركوب السيارة. قال أحدهم
للسائق "أسرع يا توني".
قال أحمد متهكما:
- كيف تصدقون أنفسكم، تناديه ب (توني)، وهو يرد عليك طبيعيا
وتذكرون أسماءكم أمامي هذا على أساس أنكم. . . . . .
قاطعه أحدهم
- اخرس، لا تتفوه بكلمة أخرى وإلا كان لي تصرف آخر لن ترضى عنه.
أخرج الرجل الذي رد عليه عُصابة عينين ووضعها على عيني أحمد وكذلك شريطا لاصقا ووضعه على فمه وقبل
أن توضع العُصابة أدرك أحمد أن السيارة بها زجاج
غير كاشف (فاميه) لا يكشف من داخل السيارة.
يعد الخوف آلية مهمة تجعل حياتنا أكثر أمانا، فالخوف من
الخطر يجنبنا الوقوع فيه على اختلاف الظروف والمواقف المسببة والمحيطة به. إلا أن
هناك نوع من الخوف الهستيري غير المسيطر عليه والذي يصيب بعض الأشخاص في بعض
المواقف أو الأماكن، يرتبط في الغالب بالذكريات المؤلمة وتحديدا الخوف من تكرار
هذه الذكريات.
هذا الشعور بالخوف هو ما جعل أحمد يزيد من تركيزه لمواجهة المجهول الذي
يقدم عليه فهو لا يريد تكرار المأساة التي مر بها. ويصبح الأمر أكثر تعقيدا عندما يتعلق
باستحضار ذكريات وأحداث غير سارة، فتمسي ذاكرته مع مرور الوقت مع أحمالها الشاقة
وكأنها كابوس مستمر لا يفارق صاحبه، يشده بإصرار إلى الماضي، فيقطع عليه سبل
الخلاص من أسرها، حيث تتغذى على أيامه وتمنع وصول ضوء الأمل إلى صباحه الجديد. ولكن
أحمد حَول خوفه إلى هدف كبير يسعى إليه ولم
يترك لذاكرته العنان تشده إلى الماضي ولكن
إصراره على تحقيق الهدف زاد من اهتمامه بالمستقبل مع ندى. إن خوضك تجربة مخيفة مع شخص ما قد تزيد من انجذابك إليه وإعجابك به، لأننا نكتسب شعورنا تجاه من نحب عندما يتعرض لموقف يدعو
للخوف عليه، وهذا ما حدث عندما ألقى القدر ندى
في طريقه بطريقة جعلتها أقرب إلى قلبه. وزاد تعلقه بها ما وجده من إصرارها
أن تخوض معه هذا الشعور بالخوف من المجهول خاصة
وهي تجهل تماما ما يفعل. أن تعطيني الثقة كاملة وأكون اختيارك الأول، فذلك يعني
الكثير، وهذا ما نال تقدير أحمد بالنسبة لندى.
