-10-
حسبتك
فأرا، وجدتك صقرا
وصلت السيارة التي تقل أحمد إلى منطقة منعزلة بمدينة السادس من
أكتوبر ووقفت أمام فيلا، كان يقف أمامها وفوقها مجموعة من الحراس وملابسهم تخفي أسلحتهم،
ثم دخلت السيارة إلى داخل حديقة الفيلا بعد أن كشف السائق زجاج السيارة ونظر أحد الحراس داخل السيارة وفحص الوجوه ثم فتح الباب.
نزل أحمد وسط رجال العصابة وهو معصوب العينين واتجه به أحدهم إلى داخل الفيلا ثم سمع أحدهم صوتا يقول بحدةِ:
- انزعوا تلك العُصابة من على عينيه والشريط اللاصق من على فمه، دعه
ينطق ويريحنا.
قال أحمد بنبرة ساخرة:
- عظيم، جزيل الشكر
نفس الصوت الذي أمر الرجال منذ قليل تحدث إلى أحمد قائلا
بنفس درجة حدة الصوت:
- أظن أنك أكثر حكمة من أن تضطرنا إلى استخدام أساليب، أنت في غنى
عنها، تجعلك تتكلم
اتجه أحد الرجال إلى أحمد وكان يقف في منتصف صالة واسعة
وفك عُصابة العينين والشريط اللاصق
قال أحمد بنبرة جادة بعض الشيء:
- لا تتعجل أنا أحضر لكم الخير كله
لم يعلق الرجل على جملته ونظر لمن حوله ثم قال بلهجة
حادة:
-
أين الحقيبة؟
قال أحمد سريعا فقد أدرك شيئا ما
- إنها في أمان لكن نتفق.
رد الرجل باستنكار
- نتفق؟ لقد سرقت الحقيبة من رجلنا، وتريد أن تتفق؟
رد أحمد ساخرا:
- باعتبار أنها كانت ملكا لكم، يا عزيزي كلنا لصوص.
ابتسم أحمد بينما هم الرجل أن يقول شيئا ولكن جاء صوت أنثوي
من الداخل قائلا:
- اقتله يا صُبحي، لقد أخذ وقتا أكثر مما يستحق
خرجت رشا، تلك الحسناء التي كانت تراقبه، من الداخل فاتجه
الجميع بأنظارهم إليها، جلست على أريكة مواجهة لأحمد الذي مازال واقفا في منتصف
الصالة:
- اقض عليه، ماذا تنتظر، نعتبرها عملية فاشلة ونقوم بغيرها، لا
داعي لتضييع الوقت.
تصنع أحمد الضحك وقال:
- هل بالفعل تصدقون أنفسكم، هل مبلغ نصف مليون دولار وثمانية مليون جنيه يستحق أن تُعرضوا
حياتكم للخطر لأجله، لقد أخبرتكم أنني أحضر إليكم الخير كله.
قال صبحي وصوته يحمل غيظا غير مبرر:
-
إما أن تعقل ما تقول أو أجعلك تصمت للأبد
وضع مسدسه وضع الاستعداد وصوبه لأحمد ثم استطرد:
- تكلم، أين الحقيبة؟
قال أحمد بنبرة لا مبالاة:
- من الواضح أنك لست الرئيس لأن الرئيس لا ينظر تحت قدميه.
أشارت رشا إلى صُبحي لكيلا يتكلم ثم قالت بعد أن وضعت
ساقا فوق الأخرى:
- دعنا أولا ننتهي من موضوع الحقيبة، ثم ننظر إلى ما تأتي
به.
توجه أحمد إلى صُبحي بالحديث وقال:
- هل سمعت ما
قاله هذا القمر؟
اشتعل صبحي غيظا بينما ضحكت رشا ضحكة نسائية مثيرة وقالت:
- أشكرك على المجاملة، لكن لا تغير الموضوع.
اكتسبت ملامح أحمد جدية صارمة وقال:
- من الواضح استعجالكم وعلى أية حال لقد كانت الحقيبة
تحوي نصف مليون دولار وثمانية مليون جنيه، سوف آخذ النصف مليون دولار لي وسوف
أعطيكم الثمانية مليون جنيه.
صاح صبحي بصوت غاضب مرتفع وقال:
- أنت مجنون إذن.
استطرد أحمد موجها حديثة إلى رشا:
- ويتبقى لي عندكم خمسة ملايين ونصف مليون دولار من
العملية التي سوف أرشدكم
إليها وعندما تعرفون حجم العملية ستعرفون أنني قنوع جدا.
عقدت رشا حاجبيها وقالت:
- من الواضح أنك إما مجنون أو تتسلى بنا
ابتسم أحمد بعد أن شعر أنه على وشك النجاح في مهمته وقال:
- في البداية وقبل أي تفاصيل، هل رأيتم بطاقتي الشخصية.
ناولها إياها أحد أفراد العصابة، زادت ملامح الجدية على وجه
رشا وقالت:
- بالتأكيد، مكتوب بها الاسم والعنوان والوظيفة. . . .
قاطعها أحمد قائلا:
- الوظيفة هي المقصودة.
جذب انتباهها كلامه وظهر عدم الفهم على ملامحها فقالت على
الفور:
- ماذا تعني؟
قلبت البطاقة مرة أخرى بين يديها ونظرت إليها مرة أخرى
وقالت:
- موظف بهيئة الآثار؟
ابتسم أحمد ابتسامة الظافر وقال:
- لقد وصلنا للمهم إذن، لقد بدأتِ تسمعين وتفكرين، بذكائك
الذي يطل من عينيك الجميلتين هاتين، بدأت تشعرين أنني أحمل لكم شيئا كبيرا، لكن
سأكمل بقية الكلام أمام
الرئيس.
لم يتمالك زمام لسانه وانطلق قائلا:
- هذا مستحيل، لا أحد منا يقابله ولا يعرفه.
نظرت رشا بغضب لصُبحي كأنه أفشى سرا حربيا وقالت:
- من الواضح أنك تضيع وقتنا، لن يقابلك الرئيس على أية
حال لأنه لا يقابل أحدا منا كما أخبرك صبحي. قل ما تريد وأنا أبلغه به. لماذا تريد أن تقابله؟
قال أحمد مستنكرا ما قالته:
- هل من المعقول أن أعمل مع أحد لا أعرفه؟
قامت رشا واقتربت من أحمد وقالت:
- سأخبرك بواقع الأمر، كل اتصالنا بالرئيس عن طريق التليفون
والوحيد الذي كان يقابله شخصيا مات في إحدى العمليات.
استخدم أحمد هنا أسلوب الصدمة، تكلم باستنكار
واستخفاف وبأسلوب هزلي أقرب إلى عدم الاكتراث بما يمكن أن يفعلوه وهذا أعطاه مزيدا من الثقة في التعامل معهم كما أظهر
تدني قدراتهم العقلية أمامه. امتلك أطراف الحديث ووزع بدوره الكلام على من حوله. كذلك
تغيرت صورته أمام أفراد العصابة من ذلك الفأر المذعور -كما كانوا يتوقعون- إلى ذلك
الشجاع المراوغ الذي تلاعب بهم دون أن يثير حنقهم لذروته حتى لا تفلت منه الأمور. كما
أنه استخدم أسلوب الإطراء والمديح والكلمات
الجميلة ونظرات الإعجاب مع رشا ليكسب ودها لما وجد لها من سيطرة. وحتى إن كانت
تعمل مع تنظيم إجرامي، إلا أن المرأة هي المرأة تحن إلى الكلام
المعسول وتطرب أذانها بالكلمات الرقيقة، تحب أن
تسمعها حتى ممن لا تطيق، كذلك شتت هذا الأسلوب أفراد العصابة من التركيز على تصرفات أحمد وبدأوا في التركيز على كلماته ونظراته إلى رشا التي بدون أن
تشعر بدأت تتحول مشاعرها إلى سلوك اللين مع أحمد
والشدة مع باقي الرجال فتوجه إليهم اللوم تارة وتوبخهم تارة أخرى وبذلك نجح أحمد في بغيته
التي ستتضح فيما يلي.
