القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

اتجاه اجباري - الفصل الحادي عشر

  


 


-11-

 

عندما نؤمن بما نفعل

نقنع أنفسنا به أكثر من إقناع الآخرين

 


 

ابتسم أحمد وقال:

- أصدقك تماما، لكن من الممكن أن تتصلي به وتعطيه فكرة، وإذا وافق على شروطي نكمل الكلام وإذا لم يوافق نتفق على نصيبي في الحقيبة.

زمجر صبحي وقال:

- لماذا أنت متأكد هكذا أنك ستخرج من هنا على قدميك؟

ابتسم أحمد وقال له بلامبالاة:

- لأن الحقيبة ليست معي. وبالطبع لاحظ رجالك أنني لم أبد أي مقاومة عندما رأيتهم أمام الفندق وكان من الممكن الاستغاثة بالمارة أو المقاومة أو الفرار قبل أن تروني فأنا بالتأكيد أعلم أنكم سوف تحاولون خطفي بسبب الحقيبة ولكني جئت إليكم برغبتي وهذا على العكس تماما مما حدث في المرة الأولى وهذا لأنني أخذت كل احتياطاتي وبالخارج من يتبعني وإذا لم أخرج حيا سيبلغ الشرطة.

نظر صبحي إلى رشا وهمس إليها:

- هذا صحيح، فالرجال أبلغوني أنه لم يُقاوم وهذا غريب.

نظرت رشا إلى صبحي بغضب ثم اتجهت بالحديث إلى أحمد وقالت:

- وماذا تريد الآن؟

ابتسم أحمد وقال:

- الرئيس.

عقدت حاجبيها وقالت:

- حسنا، صُبحي، أبلغ الرئيس بطلبه

قال صبحي ونبرة الضجر واضحة في كلماته:

- حسنا، سأفعل، ولنر ماذا في جعبتك

أخرج صبحي هاتفه وطلب الرقم ولكن لم يرد أحد

تصنع أحمد أنه يبحث عن شيء وقال:

- بمناسبة الهاتف، لقد فقدت هاتفي هنا أو في السيارة.

نظرت رشا الى الحراس نظرة تحمل غضبا وحنقا وصرخت قائلة:

- لماذا لم تأخذوا منه هاتفه، هل هذه هي التعليمات؟

صاح أحد الحراس:

- لقد قمنا بتفتيشه ولم يكن معه أي هاتف

قال صُبحي بغضب:

- ابحثوا عنه في السيارة

خرج الحراس للبحث عن الهاتف

استمر أحمد في تصنع القلق وهو يدور بعينيه في الأرض:

- إن الهاتف يحتوي على بيانات العملية، هل من الممكن أن تتصل به.

قال صُبحي دون تفكير بينما كانت رشا تتحرك بتوتر وقد ابتعدت قليلا عنهم:

- ما هو الرقم؟

رد أحمد سريعا

- (017564657454)

 قام صبحي بكتابة الرقم والاتصال به

- حسنا، لنرى أين هو

أطرق أحمد السمع وقال:

- لا أسمع صوته، بالتأكيد لم تركز وكتبت الرقم خطأ

قال صُبحي باستنكار:

- خطأ، حسنا، أخبرني الرقم مرة أخرى.

قال أحمد الرقم بطريقة أبطأ من المرة الأولى:

- الرقم هو 017564567454

قام صُبحي بطلب الرقم مرة أخرى فسمع صوت الهاتف واحد من الرجال كان يمسك به وقال الرجل وهو يعطيه لصبحي:

- وجدنا الهاتف في السيارة

التقطه صُبحي بسرعة وأعطاه إلى رشا. تفحصت رشا الهاتف وأثناء ذلك تحدث صُبحي إلى الرئيس من خلال هاتفه وأنهى المكالمة.

اقتربت رشا من صبحي وقالت بلهفة

- ما الأخبار؟

ظهر الضيق على وجه صبحي وقال:

- قال الرئيس دعنا نسمع منه أولا ويبلغك أنه سوف يتأكد من المعلومات التي سيدلي بها الضيف بنفسه، ثم ينظر في أمر التنفيذ من عدمه.

ابتسم أحمد وقال:

- حسنا، هذا كلام الكبار بالفعل

توجه أحمد إلى أقرب أريكة وجلس، ثم زفر زفرة الراحة بعد الألم

واستطرد:

- طالما قال الضيف، إذن أنا في أمان حتى تسمعوا مني وعليكم إكرامي أيضا، أريد بعض الماء وفنجان قهوة سادة.

ابتسمت رشا ثم أشارت إلى أحد الحراس إشارة معناها "أحضر ما طلبه".

ثم قالت:

- سيُحضر لكَ الحارس كل ما طلبت، هيا تكلم

اعتدل أحمد في جلسته وقال:

- بحكم عملي في هيئة الآثار ومع أنني قد تم تعييني من أقل من سنة لكني استطعت بمهاراتي أن أصبح قريبا من الكبار هناك وبسبب علاقاتي الكثيرة جاءني أحد الأشخاص عن طريق أحد الأصدقاء من صعيد مصر وأخبرني عن موضوع مقبرة في بيته وأن ثمة شيخ أكد له ذلك وطلب مني أن أبحث له عن الجهاز الذي يكشفون به في الهيئة عن الآثار وكذلك الحفارين وأبحث له عن المشتري وفعلا أخبرت أحد المسؤولين الكبار ممن أثق بهم في الهيئة ممن أعرف أن له باع في هذا الأمر. بالفعل استطاع بعلاقاته أن يخرج الجهاز ليل أحد الأيام وذهبنا إلى المكان وتأكدنا أن ثمة مقبرة وبدأ الحفارون عملهم، واستطاع ذلك المسؤول الكبير أن يُحضر خبراء أجانب وقاموا بتقييم المقبرة كاملة بمبلغ خيالي

قال صُبحي ببعض اللهفة في نبرته:

- كم المبلغ؟

ابتسم أحمد وقال:

- مائة مليون دولار

ظهر الانبهار على الجميع

استطرد أحمد وهو يبتسم:

- ولكن أصحاب الآثار لا يعرفون السعر الحقيقي للمقبرة وقرر المسؤول الكبير في الهيئة الذي ذكرته من قبل أن يخرج بأكبر استفادة من العملية، فكر هو ومن معه في أن يتخلص من أصحاب المقبرة ويستولي على الآثار وتتم العملية لحسابه. لكن واجهته مشكلة كبيرة وهي أن العائلة أصحاب المقبرة من العائلات الكبيرة جدا والسلاح لديهم بكثرة، فاستعمال القوة إذن لن يُجدي معهم في شيء ومن الممكن أن ينتشر الخبر ويذهب الجميع إلى الجحيم. فقرر أن يخبرهم بسعر كبير بالنسبة لهم ولكن أقل من المبلغ المعروض حتى ينتهي الأمر سريعا وخاصة أنها مقبرة مغلقة لم يتمكنوا من فتحها ولكن جهاز الكشف عن الأثار أكد وجودها وما رفع سعرها لهذا الحد هو وجودها في منطقة ملكية، فأخبرهم أن السعر ثلاثون مليون دولار.

وافق البائعون على المبلغ واشترطوا أن يكون هذا المبلغ هو المبلغ الصافي النهائي وأي تكاليف أخرى يتكفل بها المشتري. حتى الآن الموضوع عادي لكن ما أقلقني أنني علمت أن الحفارين والعمال قد قُتلوا وتم التكتم على الموضوع، فتأكدت أنهم ينتظرون انتهاء دوري للتخلص مني أيضا والاستيلاء على نسبتي منهم ونسبتي من المشتري ولكنهم ينتظرون الوقت المناسب وخاصة أنني على علاقة بكل الأطراف وأخفي بيانات المشتري عنهم.

ضحك صُبحي وقال بطريقة أقرب إلى البلاهة:

- إنها حكاية مُسلية ولكن ما الدروس المستفادة؟

أكمل أحمد حديثه:

- ولهذه الأسباب فكرت في أن أغير الخطة كلها وأغير سير العملية وقمت بالاتصال ببعض الأصدقاء ورتبت معهم الخطة التي أوجدتني هنا بينكم خاصة بعد أن أقحمت نفسي بعملية البنك وتخلصت من رجلكم وحصلت على الحقيبة بكل سهولة، حقا يا سادة فخطتكم رائعة ولكن التنفيذ يفتقر إلى الدقة والحرفية.

تمتمت رشا في حنق:

- إذن كنت تقصد كل ما فعلته وتعلم أنك مراقب، فليس من المعقول أن تدخل إلى مطعم وتجلس لتأكل ثم تسير بخطى ثابتة حتى محل العصير وتقف بكل ثبات لتشرب العصير أمام المحل وأنت سرقت حقيبة بها هذا المبلغ الكبير دون أن تشعر بالخوف. كنت تعلم أننا نراقبك وعلى يقين أن هناك من يحميك أيضا.

ابتسم أحمد بعد أن رأى نظرة الدهشة والحنق في عيون رشا وصبحي:

- بالطبع هناك من يحميني وكنت أعلم أنني مراقب ولذلك أعطيتكم الفرصة لكي تستعدوا جيدا لمراقبتي لأنكم إن فقدتم أثري فلن أكمل العملية الأساسية.

ابتسمت رشا رغم شعورها بالغضب ووضعت يديها حول رأسها ثم تظاهرت بتعديل تسريحة شعرها بيدها إلى الخلف وقالت:

- لأول مرة أعترف أنني غبية، لم أشك لحظة أنك كنت تقصد ذلك.

ابتسم أحمد وقال وهو يغير من نبرته لتبدو أكثر دفئا:

- لا عليك يا جميل، كلنا نخطئ، مهما بلغت درجة ذكائنا، لسنا ملائكة. لنكمل إذن موضوعنا، هناك سؤال يدور في أذهانكم بالطبع وهو لماذا اخترتكم أنتم؟ كما تعلمون هناك الكثير مثلكم في السوق يمكنني اللجوء إليهم للمشاركة في العملية، ولكن بحكم معرفتي فأنتم الفريق الوحيد الذي لا يتعاون مع أبو العز وكمال عبد الرشيد، هناك سبب آخر وهو أن فريقكم قوي جدا وتقومون بدور قطع الطريق بطريقة متمكنة.

نظرت رشا إلى صُبحي نظرة لها معان كثيرة، لاحظ أحمد النظرة فابتسم واستطرد حديثه قائلا:

- بالطبع لست وحدي وهناك من يمدني بالأخبار ولي عيون في كل الأماكن ومنها البنك وقسم الشرطة ويحميني رجال سلطة كبار. نأتي للنقطة الهامة هنا وهي أن أصحاب المقبرة أو من وجدوها يريدون المبلغ (ثلاثون مليون دولار) نقدا حتى لا تحدث أي مشكلات أو لتجنب أمور هم في غنى عنها ولا يجوز تحويل بنكي أو أي شكل آخر غير حصولهم على المبلغ نقدا.

ابتسمت رشا بسخرية وقالت:

- وهل من الطبيعي استلام مبلغ بهذا الحجم نقدا!؟

- لديهم صرافون وماكينات عد النقود وأجهزة تكشف التزوير كذلك.

بدت الجدية على وجه صبحي دلت على اقتناعه بما سمع وقال:

- وما دورنا في هذه العملية؟

ابتسم أحمد ابتسامة الثقة ونظر إلى صبحي وقال:

- ننتقل إلى نقطة بالغة الأهمية وهي من المشتري؟ هما اثنين من أكبر أصحاب المصانع والشركات ورجال الأعمال، هما أبو العز التوني وكمال عبد الرشيد، وبالطبع معهم الرجل الكبير الذي لجأت إليه وأيضا حماية أمنية. سيقومون بالشراء من البائع في الصعيد والبيع للأجانب في القاهرة بفرق سبعين مليون دولار. هل يستحق هذا المبلغ المغامرة أم لا؟

حركت النقود حبا مكنونا لدى رشا وخرجت عن صمتها وقالت:

- بالتأكيد تستحق!!!

استغرق أحمد لحظات في النظر إلى رشا ولكن صبحي بادره بقوله:

- حتى الآن لم توضح ما هو دورنا في العملية.

تظاهر أحمد بأنه تضايق من مقاطعة صبحي له وقال:

- سيتم سحب مبلغ الثلاثين مليون دولار من حسابات ستة شركات من ستة بنوك مختلفة حتى لا تلفت الأنظار، وسيتم تجميع النقود في فيلا في التجمع الخامس وستنتقل في سيارة نقل أموال وحراسة خاصة مشددة في طريقها إلى الصعيد مثلما طلب البائع ودورنا سيكون بعد نقل النقود إلى السيارة وقبل أن تخرج من القاهرة لأنه عند بداية طريق الصعيد، سيكون هناك موكب أمني مرافق للسيارة بسبب نقاط التفتيش وأي طوارئ أخرى أثناء الطريق.

ابتلع أحمد ريقه ونظر إلى رشا واستطرد:

- سوف يتلخص دورنا في الاستيلاء على النقود بأقل خسائر وسيتم تعطيل أي إشارات ترد إلى قسم التجمع أو أي قسم يتبع خط السير وهذا دوري أنا ومن معي وهذا الهاتف المحمول مسجل عليه أسماء الشركات التي سيتم تحويل النقود منها وأرقام حساباتها في البنوك وأسماء البنوك أيضا وخط سير كل سيارة حتى نقطة التجمع بداية طريق الصعيد.

نظر صبحي إلى رشا مرة ثم إلى أحمد مرة أخرى قبل أن يقول:

- وماذا عن المقبرة؟

عقد أحمد حاجبيه وقال وكأن هما يشغله:

- لهذه قصة أخرى بعيدة عنكم.

قال صبحي على الفور:

- لماذا؟

حافظ أحمد على جديته وملامح وجهه وقال:

- لأنه بمجرد الاستيلاء على النقود، وبالطبع يتبع ذلك ضجة كبيرة سوف يطرح تساؤل وهو إلى أين هذه النقود كانت متجهة وسوف يلفت هذا نظر الشرطة. هذا من جهة ومن جهة أخرى سوف تصل الأخبار إلى أصحاب المقبرة وبالتالي سوف يختفي كل شيء وكأن شيئا لم يكن.

أشار صبحي برأسه وقال:

- حسنا، لقد فهمت.

رد أحمد بطريقة سينمائية وهو يشير بيديه في الهواء وقال:

- ولكن ليس معنى هذا أن موضوع المقبرة قد تم إغلاقه فبعد أن تهدأ الأمور سوف أتواصل مع أصحابها وأتوصل معهم لاتفاق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التنقل السريع