القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

حلمي حلمك -الفصل الثالث

 3

إذا هبت رياح الماضي، دع العقل يقود السفينة لبر الأمان


 

(عام  2018)

داخل احدى الشقق تحرك احد الاشخاص وكان هناك ثلاثة أشخاص  يجلسون على مقاعد وثيرة، يمسك أحدهم بتليفون محمول والأخر يتأمل مسدسه و الثالث ينظر إليهم ثم يقول:

- هل سننتظر كثيرا، كفى ما انتظرناه من قبل، هذه هي المرة الخامسة التي نهدده فيها ولا نستطيع الوفاء بالتهديد وبالتأكيد يظن الان اننا مجرد صبية تهدد ولا تنفذ.

ترك الشخص الآخر تليفونه ثم قال

- اهدأ يا جاسر، نحن نتتبعه اينما ذهب ولكن اعلم أن قتله في غير صالحنا، نحن نبتزه فقط، ما نريد منه إلا النقود وقد أعطينا له مهلة لجمع المليون جنيه وهددناه بفضح أصله ونسبه أمام الإعلام وما اكثر القنوات و الجرائد التي تريد مادة دسمة كهذه تملأ الدنيا صراخا وبذلك يخسر اكثر من هذا المبلغ بكثير، اظنه عاقل وسيدفع وبالطبع لن تكون الاخيرة.

نظر جاسر إليه ثم نظر في الفراغ لبضع ثوان ثم استطرد بعد ان أخذ نفسا عميقا

- حسنا يا مروان، سأنتظر لأرى هل يُجدي معه هذا التهديد أم لا.

قالها ثم نظر إلى ثالثهما ووجه اليه حديثه

- وأنت يا لؤي، ما رأيك فيما يقال

- اتفق تماما مع مروان يا جاسر، لن نستفيد شيئا من قتله، لنا حق في هذا المال، كان من الممكن ان يأخذ الرجل احدا منا من الدار ليتبناه ويعيش معه ثم يرث هذه الثروة الضخمة ولا اعرف لماذا وقع اختياره على هذا الحقير بالذات.

- - - - - - - - -

خلف احد المكاتب كان هناك شاب يجلس متوترا ، كان في العقد الثاني، ذو بشرة قمحية، وشعر أسود، طوله متوسط وجسده ايضا متوسط، تبدو عليه علامات الحزن. كان يضع يديه على وجهه يفكر بهذه الحياة التي يعيشها يتمتم " الان لدي المال الذي يسعى خلفه الجميع ويظنون ان السعادة في جمع المال فقط ولا يعلمون ان راحة البال اهم بكثير من المال . انا املك الكثير من هذا المال ولا اجد السعادة في الاستمتاع بملذات الحياة. اشعر بالخطر واخشى الفضيحة كل ثانية، لن يرحمني المجتمع عندما يعلم الناس اني (لقيط) ربيب ملجأ. منذ اللحظة الأولى، كُتب على حياتي ألا تكون مثل حياة بقية الأطفال. حتى ولادتي لم تكن مثل ولادتهم كانت بالتأكيد صعبة ومهينة وسرية، يختلط بها صراخ امرأة مكتوم حتى لا يفتضح أمرها ، ببكاء طفل رضيع ضعيف غير مرغوب فيه. كل الآباء و الامهات يحتفلون بقدوم مولودهم ويشعرون بسعادة غامرة لقدومه إلا أبي وأمي، فكنت لهم هما لا يُطاق ودليل على ذنب وخطيئة، فتخلصا مني في اقرب فرصة. لكن لماذا أنا؟ بل لماذا إلا أنا ؟ لم أكن أعلم بأنني سأولد بدون أن أعرف أبي وأمي. لم أكن أدرك للحظة بأن والديّ كانا مستهترين لتلك الدرجة. عاشا أحلى لحظات حياتهما في الحرام واللهو، واختلفا على وجودي الذي فرق بينهما، بدون الاعتبار للدين والقانون، ولا حتى المشاعر الفطرية. فإذا كانت حياتهما لا تعنيهم، فما ذنبي أنا؟ ما ذنبي أن أولد بدون أسم كباقي الأطفال؛  أن لا أشعر بحنان الأم وعطفها؛  أن لا أمسك بيديها وأُلاعب شعرها  كمن حولي؛  ما ذنبي أن أُرمى في مكان مظلم وبارد، كقطعة لحم تالفة؟ ما ذنبي أن يتركوني امام بيت لتلتقطني أيدي غريبة عني فهل حنانها سيكون مثل حنان امي؛  يا امي، ألم يمنعك بكائي الضعيف؟ يا أبي، أنت الذي اغتلت براءتي وطفولتي وأنا لم أولد بعد؟ أنت الذي دمرت حياة طفل بساعة لعب ولهو وطيش؟ هل يا ترى سأجد من ترضى ان تتزوجني انا اللقيط في مجتمع لا يرحم. هذا الماضي يطاردني ولا استطيع ان اهرب منه. ماضي يطغى على حاضري يؤرقني كثيرا، يخنقني بشدة، يطعنني طعنات متتالية بلا رحمة،  يسخر مني. حتى عندما ظننت ان الماضي قد دُفن بفعل الزمن، ظهر هؤلاء الأفاقين يريدون تدميري بعد كل ما وصلت اليه. تبا لهذا الماضي الذي لا يكاد يفارقني، ألا يكفي أنهم يحاولون تحطيمي بأي طريقة. وماذا سأفعل فقد اوشكت تلك المُهلة التي اعطوني اياها على الانتهاء لكي أدفع لهم المال لأشتري صمتهم. هل بالفعل سوف يصمتون أم سيكون هذا بداية ابتزاز". قاطعه رنين الهاتف فأجاب "نعم، انا زياد، لا عليك سأرسل لك الرسومات الهندسية لتطّلع عليها، سلاما". اغلق الهاتف ثم تمتم " يجب ان أُشارك بسام معي في الأمر ولكن هل سأخبره بهذا التهديد ، بالطبع لا فهو لا يعرف حقيقة الماضي واخشى ان ابوح له بسري فأفقد صداقته "

ثم سمع صوتا يحدثه"

صديقك من يصدقك وتصدقه، فإن لم يقبلك كما أنت فليس بصديق وأنت في غنى عن صداقته"

يرد زياد على الصوت وكأنه يعتاد الحديث إليه

" لا، لست مستعدا الان ان افقد صديقي الوحيد أو اضعه حتى في اختبار، ربما في وقت لاحق"

يأتي رد الصوت عليه مرة أخرى

هل لو كنت مكانه وكان هو اللقيط، هل كنت تحتقره وتبتعد عنه؟

يرد زياد سريعا

- بالطبع لا، فما ذنبه هو في ماضيه، في قدر لا دخل له فيه.

- إذن لماذا تظن انك افضل منه، يجب ان تصارحه وتترك له القرار إما يساعدك او يهبك القدر من يقف بجانبك، ثق أن لكل مشكلة حل.

- دعني الآن، اعصابي لا تتحمل مشكلة اخرى الآن.

أن صوت عقله هو الذي يوجهه بينما مخاوفه تحاول أن تسيطر علية ، صوت العقل إن انتصر فقد ربح الانسان ، هكذا يدور الحوار دائما بين عقله ومخاوفه.

ينتظر زياد لدقائق، يبدو عليه الحيرة ثم يخرج هاتفه يري رسالة وصلت اليه من أحدهم، قرأها بصوت عال

"‏" لا يُكلّفُ اللهُ نفسًا إلا وسعَها"

لن يغلبك تعبك، لن يهلكك حزنك

ارفع من صبرك قليلاً،

وستدرك أنك أكبر من أن تنهزم بكثير

سيُزهرُ الطريقُ الذي سلكته يوماً

و سيتلاشى عنك كل التعب

ستُشرقُ روحُك بعد ذبولٍ ظننته لن يزول

ستلمعُ عيناك بعد أن خفّ بريقُها

ثق بالله.

ابتسم زياد وتمتم "اشكرك استاذي فقد وصلت رسالتك في وقتها المناسب" وبدأ في إجراء مكالمة وجاءه صوت من الطرف الآخر فرد سريعا " صديقي، كيف حالك ( يصمت لبرهة) هل انت مشغول الان (يصمت لبرهة ثم يستأنف الحديث) حسنا، اريد ان نتقابل في نفس المكان. 

التنقل السريع