(2)
لوحة الحياة تلونها أحلامنا، وهناك من يريد اغتيال
الاحلام
(عام 2018)
أمسكت أسيل فُرشها، ثم
مزجتها بالألوان وبدأت تخط على اللوحة المثبتة بمنضدة الرسم امامها. تلجأ دائما
إلى الرسم عندما تشعر بحاجتها للتعبير عما يجول بخاطرها، لا تجيد الكتابة و
التعبير بقدر ما تجيد التعبير بالخطوط والألوان بدلا من الكلمات. فتاة في العقد
الثاني تتمتع بقدر كبير من الجاذبية، بشرتها بيضاء صافية ، تميزها عيناها السمراء
الواسعة ورموشها السوداء الطويلة نسبيا وشعرها الاسود كسواد الليل، الطويل كخيوط
الحرير، المنسدل على كتفيها، تتمتع أسيل بقوام ممشوق ويظهر حسنها تحت ملابس المنزل
القطنية التي تبرز مفاتنها بوضوح.
رسمت وجه شخص لا تعرفه،
إنه وجه شاب دائما تراه بمخيلتها، لا تعرف إن كانت رأته من قبل أو لم تراه. تستيقظ
أحيانا وهي تتذكر انها رأته بأحلامها. وتذكرت أن العقل الباطن من الممكن أن يخزن
الذكريات ثم يظهرها فجأة بدون مقدمات. تركت فُرشها وألوانها وذهبت إلى الشرفة تستمتع بهواء الصباح
الجميل في تلك المنطقة التي قُدر لها أن تحيا فيها بداخل هذه الفيلا، إن مدينة
السادس من أكتوبر مدينة لا قديمة ولا جديدة ولكنها بعيدة عن قلب العاصمة، تميزها
طبيعتها الهادئة نوعا ما وطقسها الجميل في بداية الشتاء.
تركت أسيل الشرفة ودخلت إلى غرفة الرسم وهي لا
تعلم أن هناك من يراقبها خلف الأشجار ويتمتم لنفسه " استمتعي بأخر ساعات من
عمرك، الليلة هي أخر ليلة لك في الحياة، لن تحيي تستمتعين بالحياة ، وقد قتل والدك
أبي بدم بارد ، انها اخر ليلة لك في الحياة، أقسم لك".
خرجت أسيل من غرفة
الرسم بهدوء فوجدت عزيزة قد أعدت الإفطار، فشكرتها مبتسمة. وجلستا يتناولان الافطار كعادتهن يوميا.
جاء كمال وجدي، خال
أسيل، بعد وفاة زوجته، بعزيزة وهي صغيرة من إحدى الأُسر الريفية ، والتي تلجأ الى
الزج بإحدى البنات الصغيرة للعمل في المنازل نتيجة لكثرة عدد الأبناء وعدم القدرة
على اعالتهم ، وقام كمال بتربيتها مع أسيل ولم يعاملها كخادمة بل كان يعتمد عليها
في أعمال المنزل البسيطة ومراعاة أسيل في غيابه وكأنها الاخت الكبرى التي تحمل هم
المنزل وتراعي اختها الصغيرة . كانت عزيزة متوسطة الطول و الجسم ،بيضاء البشرة ،
بريئة الملامح ، تتمسك بالملابس الريفية وتراها اكثر احتشاما من ملابس المدينة ؛
فكانت أسيل تأتي لها بالبيجامة لترتديها في المنزل ولكنها تأبى إلا ان ترتدي
الجلابية الفلاحي وتربط رأسها بالطرحة المزخرفة المعروفة في الريف. كانت تحب كمال
قبل وفاته وتعتبره مثل والدها وبعد وفاته اعتبرت نفسها مسئولة عن أسيل.
قالت أسيل وهي تتناول
الطعام
- هل أخبرتك أن تصميمات
الشتاء أصبحت جاهزة.
تعجبت عزيزة من قول
أسيل فتركت ما بيدها من طعام ثم ردت
- حقا سيدتي، حقا انك لا تضيعين وقتك، لكن متى
ستخرج هذه التصميمات للنور.
- قريبا، انتظر إنتاج نوع
نسيج جديد جيد من مصنعي فقد أبرمت صفقة من الخيوط حتى يمكن إنتاج نوع جيد من
النسيج.
- نعم نوع القماش ومتانته
ونعومته هو من يغري المشتري.
- دعك من هذه الثرثرة، هل
أنت مستعدة للخروج كما اخبرتك أمس ؟
- نعم انا على اتم
الاستعداد، فلم نخرج للنزهة منذ فترة طويلة.
قامت كلا من أسيل
وعزيزة بالاستعداد وارتداء ملابس الخروج.
أوصدت عزيزة باب الفيلا
بإحكام، ثم اتجهت أسيل تتبعها عزيزة إلى السيارة. قادت سيارتها وكان هناك من
يراقبها من خلف الأشجار الكثيفة التي تقع في الجهة المقابلة للفيلا. نظرت أسيل من
نافذة السيارة إلى حركة الشارع الهادئة فقد وزعت الشمس أشعتها على المدينة بفوضى
مما أعطاها رونق جميل ولاسيما صفاء السماء بزرقتها الرائعة ونقاء السحب البيضاء.
وصلا الى اهرامات الجيزة وأوقفت
أسيل سيارتها فوق ربوة عالية بعيدة نسبيا بحيث ترى مشهد الأهرامات وما حولها كاملا، اخذت نفس عميق ثم اخرجته وظلت تنظر اليه
وهي صامتة.
أظهرت عزيزة إعجابها
بالمكان وعندما بدأت تتكلم انتزعت أسيل من شرودها
- ان هذا المكان رائع
جدا؟
- الاهرامات دائما توحي
بالدهشة، مكان رائع به العديد من العجائب. حيث ظهرت فكرة بناء الأهرامات في
البداية اعتقاداً من قدماء المصريين بالحياة الأبدية، وأن الروح سوف تعود إلي
صاحبها مرة أخري بعد زمن معين، لذلك قاموا بتشييد هذا العمل الرائع، حتى يدفن فيه
الملوك من الأسر المختلفة ( خوفو ، خفرع ، منكاورع ). وقاموا بوضع كل ما
يحتاج إليه المتوفي من ملابس وحلي وأواني وأشياء اخرى كثيرة لكي يستخدمها الشخص
المتوفي حينما تعود الروح إليه مرة أخري.
أبدت عزيزة اعجابها
بالمكان وظلت تشاهده بانبهار.
- هل تعلمين سيدتي أن هذه
هي المرة الاولى التي أرى فيها الأهرامات عن قرب.
- حقا ! لقد اتيت إلى هنا
من قبل أكثر من مرة مع خالي كمال– رحمه الله – فقد كان حريصا على أن نخرج للتنزه
سويا باستمرار، كان يحاول تعويضي عن ابي و امي ولم يشعرني قط أني يتيمة.
- لقد كان –رحمه
الله-حنون جدا على كل من حوله فقد تربيت في هذا البيت ولم اشعر اني اعمل عنده بل
كان يعاملني كابنته. هناك يا سيدتي من يعيشون أيتاما وآبائهم أحياء.
ظهر الحزن على عزيزة
بعد هذه الجملة وكأنها تصف حالها ولكن كلام اسيل أعادها للواقع
- صدقت يا عزيزة.
هامت أسيل وهي تستند
إلى ظهر سيارتها وتنظر إلى الأهرامات من هذا المكان المرتفع، ذلك المكان التي
اعتادت ان تأتي اليه مع خالها. بينما اخرجت عزيزة كرسيين من حقيبة السيارة وجلست
على احدهم وشرعت تنظر إلى الرمال، تركتها أسيل وأخذت تسير لوحدها تفكر، تستنشق الهواء، تحاول تنقية ذهنها وتفكر
بمستقبلها وتتمنى لو تقابل ذلك الذي ترسمه دائما وتراه في أحلامها. حلقت أسراب
العصافير من فوقها فابتسمت لجمالها الرائع ثم توجهت نحو عزيزة وجلست على الكرسي.
توجهت أسيل بالحدث إلى عزيزة
- لن نجلس هنا طول اليوم،
لقد استمتعنا بالمشهد عن بُعد، هيا نركب الخيل و الجمال ونصعد إلى الغرفة الملكية
في هرم خوفو ونشتري بعض الهدايا.
- حسنا، هيا سيدتي
مر الوقت سريعا ما بين ركوب الخيل و الجمال وصعود الاهرامات.
كانت تشعر أسيل أن هذه هي فرصتها لتترك للطفلة بداخلها أن تنطلق، كانت كالمهرة
التي وجدت فرصتها للانطلاق والعدو بأقصى سرعتها لتخرج ما بها من طاقة وتشعر
بالطبيعة حولها. كانت تبتسم لكل من حولها حتى لأصحاب الخيول والجمال حول
الاهرامات و بائعي الهدايا، ملئت الدنيا مرحا
ولعبا وشدت بجمالها وانطلاقها وانوثتها أنظار
الجميع، كانت تضع قبعة (كاب) فوق رأسها وتخرج من فتحته الخلفية ضفيرة شعرها على شكل ذيل حصان فكانت اجمل مُهرة تبهر
الناظرين إليها.
- انتهى وقت المرح و
اللهو وحان وقت العمل، قالتها أسيل وهي تعود مع عزيزة إلى سيارتها
- هكذا الأوقات الجميلة
تمر بسرعة، ماذا سوف نفعل الآن؟
- سنذهب الان إلى المصنع،
أريد أن اقوم بجولة استكشافية مفاجئة.
قالتها أسيل وهي تدلف
إلى السيارة وتدير محركها بينما عزيزة تلحق بها لتجلس بجوارها، ثم انطلقت بالسيارة
متجه نحو الشارع الرئيسي.
