القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

حلمي حلمك - الفصل الأول

  (1)

للحقيقة وجه آخر، وللقمر جانب مظلم.



(عام 1990)

في ليلة من ليالي الشتاء الباردة ! كان المطر يهطل بشدة معانقا الأرض كأنها حبيبته التي اشتاقت له كثيراً بعد طول غياب، ضوء البرق في السماء يبعث على الخوف وصوت الرعد كالأسد الذي يزأر اعتراضا على جريمة ستتم في الأرض ولا يرضى عنها. كان البعض ممسكاً بمظلة تحميه من المطر والبعض يجري ويحتمي بسترته. صوت سقوط قطرات المطر على الأرض وعلى أسقف السيارات المتراصة على جانبي الطريق ينبأ بغضب السماء. كانت تعلم أنها مقدمة على جريمة لا يرضى عنها بشر ولا رب البشر، كانت هناك سيدة في العقد الثاني من العمر تحمل طفلها وتدثره بوشاح كبير من الصوف وتنهمر دموعها بغزارة كالمطر الذي يسقط فوق رأسها. كانت تقبل طفلها وتبلل وجنتيه بدموعها بينما لم يستطع فتح عينيه. وقفت امام احد المحلات وبه رجل عجوز فاستأذنته أن ترضع طفلها فأذن لها فانزوت إلى ركن وأرضعته وهي تبكي وتبتسم وتنظر اليه ثم تمتمت " انا افعل ذلك يا بُني لأني اخشى عليك من هذا الذئب إن فشلت فيما أنا مُقدمة عليه، هذا الطاغية الذي غرر بي ويأبى ان يعترف بك، بل ويريد إجباري على التخلص منك واخشى ان يصل اليك ليتخلص منك، وأنا لا أقدر على مواجهة الناس بدليل على خطيئتي، فالمجتمع الذي نحيا به لن يصدق انه غرر بي  ولا يعاقب من استغل ضعفي طالما ذو سلطة ونفوذ. فلن يقبل المجتمع عذرا ولن يسامحني او يقبلني أحد ومعي طفل الخطيئة. لا اتخلى عنك ولكن ارجوا ان يمنحك الله حياة نظيفة بعيدا عن مستقبل مظلم لا يعلمه إلا الله ". انتهت من رضاعة طفلها ثم قامت وشكرت الرجل العجوز ومضت في طريقها تعلم وجهتها. دخلت احد الاحياء الهادئة بالمهندسين التي تحفظها عن ظهر قلب ثم اختارت بيتا يقبع في نهاية شارع متوسط الاتساع وهادئ الحركة، دخلت من بوابته ثم على باب إحدى الشقق وضعت الطفل ثم دست بعض الأوراق في الوشاح الصوف وطرقت الباب بطرقات سريعة عالية حتى لا ينتظر الصغير في هذا البرد كثيرا، ثم خرجت من بوابة المنزل الخارجية مسرعة وتوارت خلف إحدى الأشجار بحيث ترى ما يحدث. فُتح الباب بعد ثوان وظهرت سيدة في العقد الرابع وتلفتت يمينا ويسارا ثم لاحظت الطفل أمام الباب فأخذته وابتسمت ودخلت به إلى الشقة وأغلقت الباب. تنهدت سلمى بارتياح بعد أن اطمأنت على طفلها ثم جففت دموعها وانطلقت في طريقها مسرعة.


  


وصلت إلى موقف السيارات القريب ثم سألت أحد السائقين عن كيفية الوصول إلى مدينة نصر من هنا فاخبرها ان تركب احد سيارات نقل الركاب(الميكروباص) التي تقف هناك وأشار إلى أحدهم.

- كم الوقت المستغرق من هنا إلى مدينة نصر

- الوقت من المهندسين إلى مدينة نصر يستغرق ما يقرب من ساعة ونصف الساعة

- جزيل الشكر سيدي (ردت سلمى وهي ترسم ابتسامة رقيقة مصطنعة)

ظلت شاردة تفكر في حال طفلها. إنها تعرف هذه السيدة جيدا، فكانت في بداية عملها كصحفية تقوم بعمل بعض التقارير الصحفية عن الجمعيات الخيرية ودور الأيتام؛ واخبرها بعض أهل الحي الذي سكنت فيه لفترة في شبابها أن هذه السيدة أنشأت هذه الجمعية الخيرية وألحقت بها دار للأيتام من مالها الخاص، لأنها لا تنجب فبدلا من ان يكون لديها ابن واحد او بنت واحدة فهي تعتبر كل هؤلاء الأولاد و البنات أبنائها وبناتها وتعاملهم معاملة حسنة. كذلك الحقت بالجمعية مدرسة لتعليم صناعة المنسوجات للفتيات سواء من بنات الدار او الحي التي تسكن فيه. أدى التقرير الصحفي الذي نشرته سلمى عن الدار إلى زيادة التبرعات المقدمة إلى الدار حتى ان السيدة أنشأت مدرسة لتعليم الحرف اليدوية للشباب من أبناء الدار وكذلك من أبناء الحي. تمتمت سلمى " إنها امرأة رائعة ". عبرت السيدة حياة صاحبة الدار ومديرتها عن امتنانها لسلمى على ما قدمته من اجل الدار وزيادة واردها من التبرعات بعد مقالها عن الدار ونشاطها و صارتا صديقتين. كانت سلمى تحافظ على زيارة الدار باستمرار وتجلس لتلعب مع الأطفال وتحضر لهم الألعاب وتقضي وقتا سعيدا تشعر فيه بالبراءة التي أصبحت نادرة في هذه الدنيا. 

وصلت السيارة الميكروباص إلى مدينة نصر وأشار السائق إلى الركاب بالوصول، تركت السيارة وظلت تسير حتى وصلت إلى احدى البنايات المرتفعة وألقت التحية على الحارس ودخلت من البوابة الخارجية ثم انتظرت المصعد لبضع ثوان حتى وصل فاستقلته وضغطت على رقم الطابق الذي ترغبه وداخل المصعد أخرجت أدوات التجميل وأضافت إلى بشرتها القليل. وصل المصعد فخرجت منه ثم اتجهت إلى احدى الشقق وكانت أبوابها مفتوحة وعليها لافتة مكتوب عليها بحروف بارزة "جريدة الكلمة"، دخلت إلى الجريدة وألقت التحية على العاملين. تفاجأ العاملين بحضورها والتف بعضهم حولها، يسال البعض منهم عن سبب غيابها فقالت انها أصيبت بحمى شديدة اثناء زيارة اقاربها في قريتها بمحافظة الشرقية. سألت عن المدير فجاءها الرد كما توقعت من إحداهن "ان السيد سليم مشغول بمحررة جديدة (قالتها وهي تغمز وتلمز بعينيها )، ستخرج من عنده ألآن " توجهت إلى مكتبه وطلبت من السكرتيرة ان تقابله، بالفعل خرجت المحررة وهي مقتضبة ودخلت السكرتيرة لتخبره وخرجت تخبرها بالدخول. اخذت نفسا عميقا ثم دلفت إلى غرفة المكتب.

- ماذا فعلت ؟ هل تخلصتِ منه ؟ ان لم تكوني قد قتلتيه فسوف أقتله أنا كما اخبرتك من قبل (قالها وهو يخرج سيجارة ويشعلها ومازال جالسا خلف مكتبه

- ألا تنتظر حتى أستريح، نعم تخلصت منه. (قالتها وهي تجلس على المقعد المواجه للمكتب).

- هكذا أُحبك، ان الأطفال يثقلن الحياة وأنا أحب أن أحيا خفيفا (يضحك بصوت مرتفع)

- بالفعل، نحن لا نستحقهم وهم يستحقون حياة أفضل من حياتنا.

- أعذرك لأنك لم تنسى بعد، ( ثم مال إلى الأمام وغمز بعينه اليمنى ) ولازلت استطيع ان انسيك العالم.

- بالفعل اشتاق إلى ليلة من ليال زمان (تتصنع ابتسامة) ولكن احتاج لبعض النقود فقد انفقت الكثير في الفترة الماضية

- كل ما املك لك وحدك يا حبيبتي ( يخرج بعض النقود) و سأعطيك مبلغا كبيرا آخر من خزانة الشقة.

- أرى بعض المضايقات من أمن العمارة وبعض السكان فالكل يعلم انك تعيش بمفردك (قالتها بدلال مصطنع)

- حسنا (يمسك ذقنه بيده ويفكر لبضع ثوان) ما رأيك بشقة الطيران، بها حارس أمن واحد فقط و اسكن بالطابق الثاني ولا يوجد سكان بهذا الطابق، وبالنسبة للحارس، سوف ارسله لشراء اي شيء عند حضورك وانصرافك، كذلك الشقة مجهزة (ثم قال لنفسه بصوت منخفض) وسأبحث عن أخرى للبنت الجديدة

- ماذا تقول ؟ ( قالتها سلمى متصنعة الغيرة)

- لا، لا شيء

- بالتأكيد وجدت البديل في غيابي، أليس كذلك؟

- في الحقيقة (قالها بابتسامة زائفة) جربت الكثير ولكن لك وحدك طعم خاص، لديك قدرة خاصة على إسعادي.  لم ارى امرأة ترقص مثلك قط، لم ارى مثل هذا الجسد.

- اعلم انك انشغلت بغيري ولكن لي طعم مختلف، فالكل يتكلم بالخارج عن المحررة الجديدة. ولكن لن اسمح ان تكن لي شريكة فيك، وهذا ما يجعلني مختلفة، اني احبك ورجعت اليك بعد ان تيقنت انك اغلى عندي من أي طفل.

يتحرك من خلف المكتب وتقف هي بدورها عندما اقترب منها، يضمها اليه بقوة بينما هي تتقزز وتهرب من بين يديه و تستطرد

- المكان غير مناسب هنا، يمكن ان يدخل احدهم فجأة وتعلم اني اخفيت علاقتنا بكل السُبل حتى لا تكون سيرتي على كل لسان.

ثم اضافت 

- سأنتظرك بعد ساعتين أسفل شقة الطيران، لا تتأخر، فأنا اشتاق اليك.

- لماذا ساعتين ؟ هيا نذهب الان مباشرة

- ساعتين تكفي بالكاد، سأذهب لشراء قميص نوم جديد وبعض أدوات التجميل

- اريدك أيضا ان تشتري ملابس الرقص مثل التي كنت تلبسيها لي (يخرج نقود أخرى من خزانة خلف المكتب)

- حسنا، سأذهب لأشتري كل ذلك وانتظرك (تأخذ النقود ثم تتجه إلى الباب بينما تسمع صوته)

- سأنتظر على أحر من الجمر.

ثم يضيف بعد ان خرجت " ليت كل النساء مثلك، ولو كنّ مثلك لسعد كل رجال العالم" يبتسم.

خرجت من المكتب وهي تتمتم " سوف تكون أخر ليلة لك في عمرك"

تركت الجريدة واستقلت تاكسي وذهبت به إلى منطقة وسط البلد ثم اتجهت إلى أحد المحلات واشترت بعض الملابس ثم استقلت أخر إلى شارع الطيران ودخلت أحد المطاعم.

خرج سليم من الجريدة وهو يصفر بفمه سعيدا متمنيا قضاء ليلة من ليالي الاُنس، ثم استقل المصعد إلى المرآب أسفل البناية واستقل سيارته الفارهة. وصل إلى أسفل العقار في شارع الطيران. اخرج هاتفه ثم طلب احد الأرقام ولما سمع صوت من الطرف الآخر رد بلهفة " سلمى، اين أنت؟ ، انتظرك أسفل العقار كما اتفقنا "، صمت لبرهة ثم أردف " حسنا سوف اطلب من الحارس ان يحضر لي بعض الأشياء و اصعد إلى الشقة وأنتظرك " ثم أنهى المكالمة. وما هي إلا ثوان حتى خرج من السيارة وذهب إلى العقار وتحدث مع الحارس و أعطاه بعض النقود، بعد ذلك خرج الحارس من العقار بينما صعد سليم بالمصعد وبعد دقيقة واحدة وصلت سلمى إلى العقار واستقلت المصعد إلى الشقة.

دقت الجرس ففتح لها سليم، دلفت سريعا إلى داخل الشقة، فاقترب منها سليم وأراد أن يحضنها فقالت له

لما العجلة، خذ حماما وسوف احضر لك عشاء شهيا فقد أحضرته من المطعم، (ابتسمت بتصنع) يجب أن تتغذى الليلة.



ابتسم سليم ثم اردف " حسنا، انا مشتاق جدا لك " ودلف إلى الحمام. دخلت إلى المطبخ وأحضرت سكينا كبير " وأيد الهون" ثم دخلت إلى الحمام وقالت وهي تتصنع الدلال  " سليم، هل تريد مساج "، جاء صوته " بالتأكيد يا حبيبتي" ثم استرخي في البانيو. امسكت "أيد الهون" وتحركت من خلفه ثم انهالت على رأسه بها مرة و اثنان وثلاثة وأربعة حتى أجهزت عليه ثم قالت " أخذت بثأري منك يا من دمرت حياتي وأجبرتني على ان اتخلص من ابني وأنا الآن مستعدة لأي عقاب، أشعر بالراحة ألان ثم امسكت السكين وسددت له مزيدا من الطعنات ثم غسلت يديها وايد الهون و السكين وتركت جثته في البانيو . اخذت المفاتيح من فوق منضدة الطعام  في صالة الشقة ثم دخلت الى غرفة النوم وفتحت خزانة النقود وأخذت كل ما فيها وكان فيها نقود كثيرة ومصوغات ثم خرجت إلى الصالة، تفكر كيف ستخرج دون ان يراها الحارس ثم تذكرت ان الحارس مازال بالخارج لشراء ما طلبه سليم منه فأمسكت ببعض المناديل وحاولت ان تمحو اي بصمات لها بالشقة ثم وضعت بعض الشعر المستعار وارتدت نظارة كبيرة وأخذت حاجياتها وخرجت مسرعة ولكنها لم تستقل المصعد وفضلت أن تهبط عن طريق السلم، وما ان اقتربت من الطابق الأرضي حتى سمعت صوت الحارس يُحي أحدهم فانتظرت حتى شاهدت السلاسل الحديدية التي تحمل المصعد تتحرك هبوطا فعرفت ان المصعد في طريقة إلى اعلى فخرجت مسرعة من العقار ثم سارت مسافة قصيرة وأشارت إلى تاكسي واستقلته وتنفست الصعداء حينما ابتعد بها التاكسي عن الشارع بأكمله. 

التنقل السريع