(22)
الماضي لم يمت ، بل لم يبتعد
فلا تجعل غيومه تغطي سماء الحاضر
خرج عصمت من المستشفى
وصحبه حلمي وزياد وأسيل إلى المطار للسفر إلى تركيا، انتظروا بعض الوقت حتى جاء
موعد رحلته ثم ودعوه. طلب حلمي من أسيل تصحبه في زيارة سريعة إلى منزلة لأن زوجته
تريد رؤيتها، وطلب من زياد ان ينتظره في مكتبه لأنه يريده في شيء هام
استأذن زياد وانصرف
وركبت أسيل مع حلمي السيارة واخبرها انه يريدها في أمر هام وتوجها إلى أحد
المطاعم. جلسا وطلب حلمي من النادل اثنان من عصير الليمون ثم بدأ حديثه. تنهد
اللواء حلمي ثم بدأ كلامه
- كان والدك يا أسيل من أعز أصدقائي، كان محمود ضابط مثالي من ضباط
مكافحة المخدرات بينما كنت أنا في إدارة البحث الجنائي، اشتهر محمود بين الضباط
بنظافة لسانه ويده وكذلك كان له أسلوب في البحث و الضبط مختلف تماما عن اقرانه مما
جعله ضابطا مميزا في محافظة البحيرة كلها ومدينة دمنهور خاصة ؛ وأثناء قيامه بعمله
بتقنين بعض التحريات عن نشاط تجارة
المخدرات بمنطقة شبرا خيت ظهرت خيوط جديدة في العملية تقوده لضبط واحد من اكبر تجار
الهيروين هناك. لم ينتظر كثيرا، بل قاد حملة امنية وهجم على وقر العصابة وتم القبض
عليهم جميعا إلا زعيمهم الذي أطلق النار على القوه الأمنية وهرب، تفاجأت العصابة
بالقوة لأن محمود كان يقوم بعملها بمنتهى السرية وكان يحتفظ بسرية الوجهة التي
تقصدها الحملة الأمنية حتى عن رؤسائه وهذا كان احد اسرار عمله وتميزه فيه. لم يترك
محمود زعيم العصابة يهرب بل لاحقة وكان الاخر يفر بدراجة نارية وركب محمود سيارة
الشرطة ولم يتركه، وبعد مطاردة استغرقت خمسة و أربعون دقيقة وتم القبض على رئيس
العصابة، وحصل على ترقية في هذه القضية.
- إلى هذا الحد، فهو بطل.
نعم ولكن لم تنسى العصابة ما قام به محمود وارادت ان ترهب زملائه من
الضباط كما كان الحال قبل وصول محمود إلى المديرية ؛ قاموا بالهجوم على منزل محمود
ولم يكن موجودا وكانت والدتك وأنتِ فقط بالمنزل فأطلقوا النار على والدتك وسقطت من
فورها وهربت العصابة وأثناء هروبهم شاهدهم محمود من بعيد وهم يهربون وتعرف على
أحدهم ولم يكن ملثما كباقي أفراد العصابة وعندما صعد مسرعا إلى الشقة وجد والدتك
غارقة في دمائها وهي ملقاة بجانبك على الأرض. طلب محمود الإسعاف ولكن للأسف كانت
والدتك قد فارقت الحياة. كان محمود رابط الجأش وصامتا لم يتكلم وظل هكذا طول مراسم
الدفن. كانت زوجة خالك كمال ترعاك في تلك الفترة ولم تتعدي عامين.
- لماذا كان صامتا؟
- كان هذا الصمت لعلة كبيرة، فكان يدبر للانتقام من العصابة. في
اليوم الثالث بعد الحادثة بدأ محمود يراقب العصابة حتى علم بتجمعهم في وقر جديد
لهم بطريق وادي النطرون بالقرب من منطقة العلمين وهي منطقة صحراوية والمنزل الذي
يختفون به في منطقة نائية بعيدة عن العمران. كان محمود يرتب للخروج بحملة امنية
كبيرة للقبض عليهم ولكن خبر خروج الحملة تسرب إلى رئيسه بالعمل لأول مرة وعلم أنه
تحت الملاحظة بعد مقتل زوجته فمنعه رؤسائه
من الخروج بالقوة وتم الغاء الحملة لعدم وجود تحريات كافية.
- وبالطبع كان لهذا أثر كبير عليه. ليس كذلك ؟
- نعم، كانت صدمة كبيرة لمحمود، واعتبر ما حدث هو تخلي رئيسة
وزملائه عنه وعدم معاونته في محاسبة من قتل زوجته ؛ جن جنونه وتسلح بكل ما يمكن
حمله وأخذ مجموعة من عبوات البنزين ثم ذهب بمفردة إلى مكان العصابة. كان المنزل
مكون من طابقين، الطابق الثاني كان في بداية التجهيز للبناء وعلى الفور تسلق محمود
المنزل وسكب عدد كبير من عبوات البنزين
فوق سطح المنزل ثم هبط وسكب البنزين على نوافذ وأبواب المنزل وقذف عدة قذائف
حارقة (مولوتوف) على المنزل فاشتعلت النيران. كانت مفاجأة اخرى للعصابة فلم
يتوقعوا هذا الهجوم، خرجوا كالفئران المذعورة من هول النيران حولهم وكانت فرصة
محمود سهلة وهم يهربون من النيران واصطادهم جميعا بلا استثناء وكان عددهم ثمانية
أفراد. هزت هذه الحادثة الرأي العام كله
ونمى إلى علمي أنه صدر أمر بالقبض علي محمود فقمت بتحذيره وان عليه ان يختفي حتى
نعلم ما سوف تأول اليه الاحداث. تم وقفه عن العمل وأُحيل للمحكمة وقضت بحكم
غيابيا لمدة عشرين عاما.
- (بدهشة واستنكار) لماذا، فهم مجرمون، حتى لو تصرف معهم بتسرع؟
- كانت حيثيات القضية
والتهم الموجهة اليه اكثر من اتهام، مخالفة أوامر الرؤساء، القتل العمد، وأسباب
أخرى. وبحكم علاقتنا وسلطاننا تم تهريب محمود إلى ليبيا عن طرق الصحراء ومنه تم
تجهيز أوراق له وسافر إلى قبرص وظل بها بضع سنوات ثم سافر إلى تركيا واستقر هناك
فترة.
- اذا أبي لم يمت ؟
تمهلي يا ابنتي، كان ثمة لواء متقاعد مكروه جدا بين زملائه وحتى
رؤسائه لسوء سلوكه مع رؤسائه ومرؤوسيه، خرج هذا اللواء من الخدمة ولم يعيره احد أي
اهتمام وكان الجميع يغلقون هواتفهم قبل
ابوابهم في وجهه، ولم يكن له زوجة او اولاد وحتى اقاربه نفروا منه من سوء معاملته
للجميع. توفى هذا اللواء في منزله بقرية صغيرة نائية على أطراف محافظة السويس ولم
يعلم أحد بوفاته وعندما علمت بذلك تكتمت خبر وفاته وقمت بدفنه بطريقة غير رسمية
والحصول على كافة أوراقه الرسمية وأخبرت والدك بذلك، كان هذا اللواء لحسن الحظ
قريب الشبه بوالدك، وبعمل بعض التغيرات البسيطة سيصبح قريب الشبه به جدا. حضر
والدك إلى القاهرة بنفس طريقة خروجه رغم وجود أوراق رسمية معه ولكن لتجنب أي
مشكلات. عرضت على والدك ما توصلت إليه فقبل ان يلبس عباءة اللواء عصمت شاكر
- وهنا شهقت أسيل من فرط الدهشة ( تقصد عصمت هو أبي محمود) استكمل
اللواء حلمي الحكاية
ارتضى ان يظل في عباءة وشكل واوراق واسم عصمت من اجلك انت يا أسيل،
حتى يظل قريبا منك بعد وفاة خالك كمال رحمه الله. قام بافتتاح شركة امن وحراسة
لخبرته في هذا المجال و اقنعتك انا بالتعاقد مع الشركة واخبرتك ان عصمت صديق كمال
وبالفعل كان محمود وكمال أصدقاء. وعندما قابلك اخبرك بذكريات طفولة كثيرة لك لم
تنسيها ولذلك وثقتي به . أوضحت لك انه اكثر من اب بالنسبة لك عندما لم يتمالك نفسه
و احتضنك بشدة عندما تقابلتم لأول مرة. وبررت لك ذلك بانك مثل ابنته وهو يعتبرك مثل
ابنه زياد ، وهو أدرك ما تشعرين به واصبح يعاملك بلطف وحنان دون ان يقترب منك وكنت
أرى الدموع في عينيه (قاطعته أسيل )
- لماذا لم تخبرني عندما
كبرت؟
كان ذلك في صالحك لعدة أسباب منها انه مازالت مدة العقوبة لم تنتهي،
كذلك كان يتوقع ان العصابة تبحث عن أي أثر له وبالتأكيد سيصلون إليك من الأوراق
الرسمية وهذا ما يفسر محاولة قتلك، سبب اخر ان عصمت شاكر اصبح له وجود قانوني
وعقارات وأموال والاهم أصبحت له عائلة
تقصد زياد ؟
نعم، عندما كان في تركيا قابل سيدة أعمال هناك، وكان على صلة صداقة
بزوجها وصارا أصدقاء. نسيت ان اخبرك ان والدك لم يستطع تكوين ثروة كبرى في تركيا و
السبب هو كثرة تنقله من مكان لأخر وكذلك كان يرسل الي كمال بعض المساعدات لتعيشي
حياة سعيدة معه هو وزوجته فكانت ظروف خالك كمال
غير متيسرة لانتقاله بك من مكان لآخر، لأنه كان خائفا ان تصل العصابة إليك
فكان ينقلك من مدرسة لأخرى ومن محافظة لأخرى حتى استقر به الحال هنا في أكتوبر.
قابل محمود هذه السيدة ولما علمت بنيته الرجوع إلى القاهرة حولت له أموال كثيرة
جدا على ان يصبحوا شركاء وطلبت منه ان يقوم بتبني طفل صغير من احدى دور الايتام
وان يقوم بتربيته، هذا الطفل هو ابنها التي اضطرت ان تهرب للخارج وتتركه امانه عند
صاحبة دار الايتام. وبالفعل قام بذلك وكبر الطفل وأصبح شاب في مثل عمرك.
- اتعني ان زياد هو ابن عصمت اقصد ابي بالتبني ، اكاد اُجن .
- ارتدى محمود عباءة عصمت
وبدأ مباشرة اعماله وكان خالك كمال رحمه
الله على علم بما نفعله فكنا نحن الثلاثة من أعز الأصدقاء. بدأ كمال يقرب بينك
وبين عصمت ولم تتعدى العاشرة وكان من الممكن ان يوجد أي سبب ليعيش معكم لولا ان
ظهر احد افراد العصابة وبدأ يحوم حولك. فقام خالك بالانتقال من القاهرة إلى
المنصورة ليبتعد بك عن هنا. حدث في ذلك الوقت حادثة غريبة اذ بدأت احدى السيدات
تتصل ب(عصمت شاكر) على ان لها ابنة منه من زواج عرفي وبالطبع محمود تصنع معرفتها
وطلب منها بعض الوقت لأنه سيسافر لأمر هام. اضطر محمود ان يأخذ زياد ويسافر إلى
الكويت وظل هناك فترة طويلة وتخلل هذه الفترة زيارات إلى تركيا حتى ترى السيدة
ابنها حتى لو لم يعرف زياد انها والدته.
عاد عصمت بعد هذه الفترة إلى القاهرة وغير مكان اقامته وتوارى عن
الأنظار حتى لا يصطدم بمصيبة أخرى من مصائب عصمت شاكر الجديدة. كنت قد صرت فتاة
جميلة واصبح ابنه شاب رائع في أخلاقه وحنانه الذي استقاه من محمود. ارادت السيدة
شريكة محمود ان تقرب بين زياد وبين دار الايتام وان تجعله يتقرب منهم وأن يشرف
مكتب زياد الهندسي على إقامة دار للمسنين يتبع نفس الجمعية التي تتبعها دار
الايتام. اعترض محمود في البداية لأن هذا سيؤثر على نفسية ابنه (وهو يعتبره ابنه
بالفعل) ولكن بعد الاستشارة و النقاش معي ومع سلمى شريكته نفذ طلبها وعكس المتوقع
كان رد فعل زياد رائع وتحمس للفكرة واصبح اول مشروع يشرف عليه مكتبة الهندسي، انه
شاب رائع بالفعل.
عندما عاد عصمت إلى القاهرة بعد قضاء فترة في الكويت اقنعتك كما
اخبرتك من قبل بشركة الحراسة الأمنية وظل عصمت بجانبك يحاوطك بحبه وحنانه ويخاف
عليك وقد شعرت بذلك وبادلته الحب الابوي دون ان تعرفى انه والدك وقد شاهدت هذا
بنفسي.
- حقا يا عمي، لم اتذوق طعم الحنان الا منكم، انت واخلى وزوجة خالي
وابي .أتمنى ان اقضي طيلة عمري في حضن أبي.
عندما عرضت هناء مشكلة العامل الذي طلب منها ان ينقل لها اخبارك
وأنهم سوف يقومون بحرق المصنع وسرقته و محاولة قتلك في شرفة الفيلا، تذكر أمر
العصابة وبدأ يبحث في الامر بسرية وبجدية كعادته، ووجد ان احد أبناء أفراد العصابة
لم ينسى الامر وقرر الانتقام منك، فأنت ابنة الضابط محمود الذي قتل والده، ولا
يعلم ان عصمت هو محمود. وقد قام بفعل كل ما بوسعه لتبقى انت في امان، والآن جاء
الوقت المناسب لخلع عباءة عصمت شاكر ويرتدي عباءة محمود الرشيدي بعد مرور اكثر من
عشرون عاما على صدور الحكم وبذلك تسقط العقوبة على محمود.
- تقصد ان عصمت سوف يسافر
تركيا ولن يعود وسوف يعود محمود والدي باسمه وشكله الطبيعي بدون أي تصنع ويعود ابي
الي بعد هذا العمر
-نعم يا ابنتي
وألان سوف أذهب لأقابل زياد لأقص عليه قصته، فقد فضلت أن اقابل كل
منكما على حدة حتى لا يصاب احدكما بالإحراج من الآخر وتجنب أي ردة فعل غير متوقعة.
