3
الخيال والمتعة يخرجان
من رحم الغموض
داخل غرفة رئيس مباحث الجيزة، يقلب
العقيد خالد شاكر عبد اللطيف بعض الأوراق على مكتبه ثم يختار بعض منها ويضعه داخل
ملف ويضعه بدرج المكتب. خالد شاكر عبد اللطيف، ضابط مباحث كفء، في أوائل العقد
الرابع، متوسط الطول، قوي البنية ويظهر ذلك على جسده الرشيق وعضلاته البارزة أسفل
الملابس، يزحف الشيب على جانبي شعر رأسه، بينما اكتفى الشعر بهذه المساحة من رأسه
على الجانبين وغلبه الصلع فاستولى على مقدمة الرأس ومنتصفه وعاد الشعر ليستولي على
الجزء الخلفي من رأسه. يبدوا عليه التركيز الشديد وهو يلتقط إحدى الأوراق
طرق أحدهم الباب فبادر العقيد خالد
بالرد بصوت مرتفع.
- ادخل
يدخل الرائد محمود نور الدين تبدو
عليه اللهفة ويقدم ملف محشو بالأوراق.
- تفضل سيادة العقيد، هذه هي كل المعلومات
التي استطعنا جمعها حتى الآن عن القتيل.
يأخذ خالد الملف من محمود:
- شكرا، ولكن لخص لي سريعا ما به حتى أتفحصه
غدا صباحا لان اليوم كان مليء بالأحداث وقد انتهيت للتو الآن من قضية كبيرة، وأشعر
أن راسي مثل البالونة التي تم نفخها بهواء زيادة عن حاجتها وأوشكت على الانفجار.
- كان الله في عونك يا سيادة العقيد، سأحرص
على أن يكون تلخيصي للقضية مفصلا لأنها قضية غامضة من وجهة نظري. بعد تلقي بلاغ من
حارس أحد العقارات بمنطقة فيصل بأنه أثناء صعوده للاطمئنان على صاحب العقار وصاحب
إحدى شركات الكمبيوتر بنفس العقار ويقطن في شقة بالدور الرابع بنفس العمارة وذلك
بناء على طلب السكرتيرة بالشركة لأنه لا يرد على الهاتف ولم يستجب لِلطَّرَقَاتِ
على الباب فقام الحارس بكسر باب الشقة بمعاونة الجيران ووجدوا المجني عليه غارق في
دمه بصالة الشقة، فقام بطلب النجدة، توجهت قوة من القسم ووجدت القوة جثة رجل في
العقد السادس من العمر ملقاة على الأرض في صالة الشقة وقد ذُبح بسكين كبير. قام
القاتل بكتابة بعض العبارات أو الحروف بدم القتيل على أحد جدران الشقة. تم عمل
التحريات المبدئية اللازمة وسؤال الجيران وحارس العمارة ولم تسفر عن شيء حيث أقر
حارس العمارة أنه لم يرى أحدا غريبا على العمارة قد دخل أو خرج في هذا اليوم.
القتيل يحيط نفسه بدائرة من الغموض. يعيش وحيدا في الشقة بعد رحيل زوجته وسفر ابنه
للخارج للدراسة والعمل ولا يوجد لديه أصدقاء مقربين. لديه شركة خاصة في مجال استيراد
أجهزة الكمبيوتر المستعملة من الخارج ومقر الشركة الإداري بنفس العمارة والمخازن
أيضا بنفس العمارة. العمارة كانت ملكا له ثم باع أكثر من شقة منها واستبقي عدد
أكبر من الشقق للانتفاع بهم بنظام الإيجار الجديد. لا توجد آثار عنف على باب
الشقة. لا توجد بصمات كما وجدنا علبة من دواء --- المهدئ للأعصاب وبتحليل دم
القتيل لم نجد أثر للمادة الفعّالة في الدواء وهي ---، وبهذه النتيجة يكون الدواء
يخص القاتل. علبة الدواء عليها آثار دماء ولا توجد بصمات على العلبة أيضا، ومن
الواضح أن الجاني كان يرتدي قفازا وعلي علاقة بالمجني عليه.
تمتم خالد ما هذه القضية الغامضة،
لا شهود ولا بصمات ولا حتى معلومات كافية، القتيل ليس له أعداء ولا أصدقاء، ماذا
أفعل، هل أحضر الجان أم اضرب الودع أو افتح المندل.
- في حقيقة الأمر، القضية تبدوا صعبة ولكن
أعتقد أن الجاني ارتكب خطأ ما مع هذا الحرص الواضح عليه سيؤدي إلى كشف أمره.
وسيادة العقيد خالد لن تستعصي عليه مثل هذه القضية.
- إنه توفيق الله، وعادة لا توجد جريمة
كاملة.
أخذ خالد يقلب في أوراق الملف مرة
أخرى ثم قال لمحمود
- ألا تلاحظ أن الجريمة تبدو عادية وغامضة في
نفس الوقت
- كيف؟
- يبدوا الأمر طبيعي أن يُقتل رجل مسن يعيش
بمفرده في شقته، رجل صاحب شركة، بالتأكيد لديه أموال بشقته تدفع أحدهم لارتكاب
الجريمة، أو هناك خلافات مع أحدهم تدفعه للانتقام منه، ربما رائحة امرأة تداعب
القضية من بعيد، أشعر بذلك.
- الرجل كبير السن، كيف لرائحة امرأة
بالموضوع؟
- أن الرجل لا يكبر طالما قلبه يدق، خذ هذه
الحكمة مني، ثم إنني أقول رائحة أمراه تداعب القضية من بعيد، ليست رائحة قوية
- البواب قال إنه لم يدخل أحد أو يخرج منذ
الصباح الباكر
- لا تثق بكل ما يقال، سنرى في التحقيق
- لقد وضحت الأمر العادي، فلماذا القضية
غامضة؟
- لان كل الشهود يقولون نفس الكلام، اذن هناك
جانب آخر في حياة الرجل لا يعلمه إلا الله. ليس من الطبيعي أن تبدو حياته مثالية
هكذا.
- تفسير منطقي يا أفندم
نظر خالد في ساعته ثم قال
- الساعة تخطت التاسعة مساء ولم تذق عيني
النوم منذ أمس.
- كان الله في عونك يا أفندم.
- سنذهب للراحة الآن وغدا أريد كل، كل من
تردد على المجني عليه؟ هل واضح! كل من تردد عليه، كبير، صغير، قريب، بعيد، أيا
كان، أتذكر أن إحدى القضايا كشفها طفل صغير. كذلك كل من يعمل معه في شركته ومخزنه.
رد محمود وهو يفتح باب المكتب
ويشاور ل خالد
- أوامرك سيادة العقيد! تفضل.
خرج خالد أولا ثم تبعه محمود وتبادلا الحديث بصوت منخفض أثناء سيرهما في طرقة طويلة حتى وصلا إلى نهايتها حيث تنتهي بسلم إلى أعلى وآخر إلى أسفل، استأذن محمود واتجه إلى الطابق الأعلى بينما اتجه خالد إلى السلم المتجه إلى أسفل وألقى التحية على بعض الضباط وهو يهبط درجات السلم. نظر محمود في ساعة يده ثم تمتم بابتسامة الحمد لله سوف أتمكن من حضور احتفال كمال بافتتاح مكتبه الجديد، مازال الوقت أمامي، كنت أخشى أن أظل حتى منتصف اليوم كعادة العقيد خالد.
