2
الولد الصالح عمود البيت وضيائه
وصلت سيارة خاصة إلى منزل رقم 19
شارع الجابري بمنطقة الطوابق، شارع الملك فيصل. العمارة عبارة عن بناية تتكون من
عشرة طوابق، حديثة البناء إلى حد ما، تتشابه في بنائها وشكلها الخارجي مع غالبية
بنايات الشارع، أما الشارع فهو شارع متوسط المساحة، يبلغ اتساعه ثمانية أمتار،
يتفرع شارع الجابري من شارع كعبيش وهو أحد أشهر الأحياء الشعبية في منطقة شارع
فيصل بمحافظة الجيزة، تسمى المنطقة التي ينتمي إليها الشارع بمنطقة الثلاثة طوابق.
نزل من السيارة شاب في العقد الثاني، طويل القامة إلى حد ما، ذو بشرة بيضاء وجسد
رياضي، أضاف شعره الأسود القصير الناعم وعينيه الخضراء الواسعة ورموشه الطويلة
نسبيا إلى هيئته قبولا كبيرا وجاذبية، تلك الخلطة العجيبة التي يتميز بها سكان
المنصورة بمحافظة الدقهلية. كان يرتدي قميصا وسروالا عاديا. يمسك بيده اليمنى
حقيبة سفر كبيرة وبيده الأخرى يساعد سيدة في أواخر العقد الخامس على السير، كانت
متوسطة الطول، بشرتها بيضاء، عيونها خضراء، يكسو وجهها التجاعيد ولكن لم يغطي
ملامحها الجميلة، يبدوا من ملابسها أنها قادمة من الريف الأصيل، ترتدي الجلابية
السوداء الفضفاضة وتغطي رأسها بالشال الأسود. كانت تتمتم بصوت منخفض إلى الشاب
ربنا يبارك لك في صحتك يا عصام ورد عليها بابتسامة حنونة ربنا يبارك لنا في صحتك
يا ست الكل. تبعته فتاة في العقد الثاني، متوسطة الطول، تكاد تجزم من ملامحها أنها
بنت السيدة، نفس الملامح الجميلة ولكن شعرها الأسود كظلام الليل ينسدل على كتفيها
كخيوط الحرير، تتمتع ببشرة بيضاء صافية وعيون خضراء واسعة ورموش طويلة نسبيا،
تتمتع بنفس خلطة المنصورة في الجمال. كانت تحمل حقيبة سفر كبيرة أخرى بكلتا يديها.
تبعتهم سيارة أخرى نقل ركاب (ميكروباص) تحمل بعض السيدات والرجال ويبدوا على
الجميع أنهم من عائلة واحدة. كانت كل سيدة تحمل شيء في يديها، فهذه تحمل حقيبة
صغيرة وتلك تحمل إناء طهي طعام ممتلئ بما لذ وطاب وهذا يبدو من طريقة حمله والحرص
عليه. تشابهن فيما يحملن ولكن تنوعت ملابسهن بين الطلابية الفضفاضة والعباءة
الضيقة وكلهن يتزيّن ويثرثرن وتعلو وجوههن ابتسامات جميلة كملامحهن. أما الرجال
فلا يحملون شيئا في أيديهم ولكن يتسامرون بود وابتسامات وكان عددهم أقل من عدد
السيدات. هرولت إحدى السيدات لتسند السيدة الكبيرة بينما انتظر ابنها الذي كان
يسندها خارج العمارة. دخل الجميع، عدا الشاب، إلى داخل العمارة، وبعد دخولهم وصلت
سيارة نقل أثاث كبيرة، فور وقوف السيارة نزل منها ثمانية عمال، هذا ما يبدوا من
هيئتهم وبينهم سائق السيارة. بدء الرجال في حمل الأثاث من السيارة إلى العمارة.
والشاب يتابع بتؤدة ما يجرى حتى انتهى الرجال من نقل الأثاث فوقف يتكلم معهم
ويبادلهم الابتسامات ثم أخرج بعض النقود الكثيرة وأعطاها لأحدهم وصافحهم بحرارة
وانصرفوا.
----------------------------
بعد انصراف سيارة الأثاث توجه الشاب
إلى محل تحمل لافتته ماركت المصطفى أسفل العمارة وطلب منه بعض الطلبات فجهزها له
على الفور وخرج معها من داخل المحل وعينيه تفضحان تطفله وسأل الشاب:
- اعتقد أنك الساكن الجديد؟
- نعم، أنا عصام الساكن الجديد، في الدور
الخامس.
- زدت الطوابق كلها نورا، اعتبر المحل محلك
من اليوم.
- أشكرك، أعزك الله
- الحاج مصطفى اسمي الحاج مصطفى
- جزيل الشكر يا حاج مصطفى، أنا عصام، مدرس
علم نفس
- أستاذ عصام، أهلا بك، شرفتنا
شكره عصام وأعطاه النقود، تمنّع
قليلا بكلمة ما تخلي ولكن عصام ابتسم وشكره مرة أخرى وانصرف ثم تمتم ما تخلى عندك
دم وهات، تلك المقولة التي تأتي لخاطرنا عندما نسمع من الآخرين كلمة ماتخلى دخل
عصام إلى العمارة، ثم ذهب إلى غرفة الحارس فلم يجد أحدا ووجد عليها قفل كبير، ما
يعني أن العمارة ليس به حارس أو بواب كما يصطلح عليه في هذه المنطقة. اتجه إلى
المصعد وحمد الله أنه غير معطل وضغط على زر الطابق الخامس.
بعد أن ترك صاحب ماركت المصطفى وصل
عصام إلى الشقة وكان بابها مفتوحا وخلية نحل تعمل بداخلها، فمن جاء معهم منذ قليل
يساعد في وضع الأثاث وبينهم نجارا يوجه والكل يطيعه مع بعض الملاحظات. أطربه صوت
يألفه يناديه بينما لم يخطوا إلى داخل الشقة
- هل حضرت يا عصام؟
- لا لم أحضر، مازلت بالأسفل
سمع عصام ضحكات كثيرة تختلط بضحكته
وضحكة ذاك الصوت الجميل. إنها خالته صفية، يحبها ويطرب لسماعها. ذهب مباشرة لمصدر
الصوت ودخل إحدى الغرف فوجد صاحبة الصوت تضع بعض الملابس في الدولاب، كانت سيدة
جميلة الملامح تشبه والدته إلى حد كبير وتصغرها على ما يبدو بعقد كامل، كانت تبتسم
وتقول له
- الن تتوقف عن مشاكستي؟
- أحبك يا خالتي، مازالت نغمات صوتك ترن في
أذني وأنا أسمع منك أغنية نجاة
الطير المسافر.
- أعلم أنك تحب نجاة وأغانيها
- نجاة اعتبرها نسيج فريد من نوعه، وصوتها
الدافئ يشعرني بالحنان وهذه الأغنية خصيصا في موسيقاها من الهدوء ما يشعرني بصفاء
السماء ونسمات الربيع
- أخبرني يا ولد، أنا أحلى أم نجاة؟
- أنت طبعا يا حبيبتي، فكفى أن انظر لهذا
الوجه الجميل البريء لأشعر بحلاوة وطهر أصولي
- ما هذا الكلام الجميل، كبرت يا عصام وأصبحت
شاعرا
- دعك مني وغني لي الطير المسافر
- آه، لماذا تذكرنا بالذي مضى
- غني لي يا خالتي
- لا يصح يا ولد، الشقة بها رجال كثيرة
- كلمتين فقط بصوت منخفض
- لن أتخلص من إلحاحك (ثم ابتسمت وكأنها تريد
أن تغني وتنتظر الفرصة)
وبعتنا مع الطير المسافر جواب وعتاب
وتراب من أرض أجدادي وزهرة م الوادي
يمكن يفتكر اللي هاجر أن له ف بلاده
أحباب
ثم توقفت عن الغناء حينما دخلت
والدته إلى الغرفة
- اترك خالتك يا حبيبي، نريد أن ننتهي الليلة
أم تريد أن تنام فوق البلاط
- لا لا أريد،
قالها ثم غادر الغرفة وهو يبتسم
وانضم إلى خلية النحل. مضت ساعات كثيرة وانتهى الرجال والنساء من العمل وأصبحت
الشقة جاهزة لاستقبال الحياة الجديدة لهذه الأسرة. جلس الرجال على مائدة الطعام،
بينما افترشت النساء أرضية المطبخ وكان عصام ينتقل بين الجميع، يدعوا هذا لتناول
الطعام تارة ويضع مزيد من الطعام أمام آخر. انتهوا جميعا من تناول الطعام وغادروا
جميعا ونزل معهم عصام ليصحبهم لباب السيارة الميكروباص التي تنتظرهم أسفل العمارة.
انتهى اليوم بكل متاعبه ودلف عصام
إلى سريره بعد أن أخذ حماما، ووضع رأسه على الوسادة ولكن أبت أفكاره أن تتركه
فتذكر المشكلة الكبرى التي أثرت على الأسرة بعد وفاة والده. أصر عمه عبد الكريم أن
يزوج ابنه فاضل لياسمين ولكنها رفضت أن تتزوجه، وأبدت رغبتها في استكمال دراستها
في الجامعة. اقترح عصام أن تتم الخطبة على أن يكون الزواج بعد انتهاء الدراسة ولكن
عمه رفض أيضا هذا الحل وأبدى عدم رغبته في أن تستكمل ياسمين دراستها البنت مصيرها
لزوجها وأولادها هذه المقولة التي ترددها القرية جميعها رغم ارتفاع نسبة التعليم
الجامعي بين الفتيات فيها. تغيرت العلاقات بين الأسرتين بل وساءت كثيرا في الفترة
الأخيرة بعد أن طلب عبد الكريم من عصام أن يبيع له نصيب الأسرة في الأرض التي كانت
تدر دخلا على الأسرة ولو قليل. تذكر عصام نقاشه مع والدته وأخته حول هذا الأمر
وكان أمامه اختيارين إما أن يبيع لعمه نصيب الأسرة أو يشتري نصيب عمه ولان العم
يعلم تماما أن عصام لا يفقه شيئا في الزراعة وأمورها فقد اقترح الاختيارين حتى لا
يظهر أمام الناس بدور الظالم لأبناء أخيه. وافقته والدته على بيع نصيب الأسرة في
الأرض، فكر عصام أن يفتتح مشروعا في القرية ولكن بعد دراسة لأحوال السوق والبلد
أعرض عن هذه الفكرة خوفا من الخسارة خاصة وأنها ليست نقوده بمفرده ولكن لأخته
ووالدته نصيب فيها هذه نقودك يا أمي وأنا حارس عليها، هذه العبارة كان يقولها
دائما ويرددها حتى لنفسه. بعد أن تشاور مع والدته، عزم على بيع الأرض ووضعه النقود
في البنك كوديعة، أراد أن يجعلها باسم والدته فأبت وأصرت أن تكون باسمه هو ليس لنا
سواك بعد الله يا بُني. هكذا حمل عصام على عاتقه مسئولية الأسرة وهمومها. استقر
رأي الأسرة على ترك البلد بعد أن قطع عبد الكريم وأولاده علاقتهم بأبناء عمهم
ووجدها عصام فرصة للالتحاق بمدرسة كبيرة وحتى تستكمل ياسمين دراستها بكلية سياسة
واقتصاد بجامعة القاهرة. أجّل عصام أحلامه كشاب يريد أن يحب ويتزوج وشغل تفكيره
بواجباته كعائل للأسرة وولي أمرها.
نزحت الأسرة من المنصورة قادمة إلى
مصر- كما يطلقون على القاهرة والجيزة - لتستقر في محافظة الجيزة. كان لقدومهم إلى
مصر سببين رئيسيين، أولهما التحاق عصام بعملة كمدرس للفلسفة بإحدى المدارس بمنطقة
قريبة وثاني هذه الأسباب استكمال ياسمين دراستها بكلية سياسة واقتصاد بجامعة
القاهرة. توفى الأب وتركهم منذ ما يقرب من ثلاثة سنوات والعائلة تعتبر عصام بمثابة
رجل العائلة ومنذ ذلك الوقت وأضاف عصام إلى عمره عشرة سنوات ليتقمص دور رب الأسرة
ويتخطى مرحلة الشباب. عندما تنظر إليه تعلم أنه لم يتخطى الخامسة والعشرون وهو
عمره الحقيقي ولكن عندما تتحدث إليه تحتار هل هو ابن الخامسة والعشرون؟ أم الخامسة
والثلاثون؟.
