1
داخل شقة أنيقة، حديثة الأثاث
وجذابة الألوان، تتناغم المناظر الطبيعية على ورق الحائط، تظهر هناك صورة لبرج
إيفل الشهير معلقة على حائط آخر. ثمة شاب يبدو عليه القلق، مجعد الشعر بعض الشيء،
متوسط الطول، عريض المنكبين نسبيا، بشرته بيضاء. تحرك تاركا مكانه وهو يجول بعينيه
بين أروقة الشقة ثم استقرت عيناه على جهاز كمبيوتر محمول على منضدة السفرة وبجواره
هاتف محمول، وصل إلى المنضدة ثم عاد إلى الأريكة مرة أخرى. جاء رجل كبير السن في
أوائل العقد السادس، ممتلئ الجسم قليلا، متوسط الطول، يرتدي عباءة رجالي فاخرة،
كان قادماً من الداخل يحمل حقيبة متوسطة الحجم، وضعها على المنضدة ثم اقترب من
الشاب وقال:
- هذه حقيبة النقود، بها ربع مليون جنيه كما اتفقنا،
اسبقني لمكان الصفقة وأنا سأغير ملابسي والحق بك.
- حسنا، ولكن استأذنك في كوب ماء بارد
لأتناول دوائي فأنا أشعر بالصداع.
- ارحم نفسك، لا تفكر فيها، فسوف تجد أفضل
منها ألف مرة وطالما هي لا تريدك فلن نجبرها على شيء، كثرة التفكير يسبب لك هذا
الصداع، أنسى وركز في العمل وهو سينسيك كل همومك، هذه أول صفقة بيننا بعيدا عن
الدكتور وسنقوم بعمليات كثيرة فلا داعي للتفكير في الماضي.
ثم انتبه إلى أنه يرتدي قفاز في يده
فأضاف
- لماذا ترتدي قفازا، هل عدت تعاني من
الحساسية مرة أخرى؟
- نعم لقد عادت إلى الحساسية، كلامك صحيح
وأنا بالفعل أفكر في مستقبلي.
- عظيم، اذهب للمطبخ وأحضر الماء وكما يقول
الإنجليز هيلب يور سيلف أخدم نفسك بنفسك.
هز الشاب رأسه علامة على الموافقة
واتجه إلى الداخل وخرج بعد ثوان ومعه سكين كبير. يظهر إصراره على اقتراف جريمته من
قبضة يديه على السّكِينة، ساعداه قويان، لم يره العجوز الذي شغله ضبط ساعة الحائط،
إلا عندما استدار فوجده يمسك بالسّكِينة ويبتسم، قال العجوز لماذا يا بُني، لماذا
تريد قتلي. ولكن الشاب لم تأخذه شفقة ولا رحمة بالعجوز. اقترب منه وعيني العجوز
تزداد ذعرا وقد أخرسته المفاجأة أو ربما الخوف والهلع، استدار وهو يحاول الهرب
فاقترب الشاب منه من الخلف ووضع عنقه بين ساعديه وقرب السّكِينة منه ثم عاجله بها
على رقبته وذبحه، ثم تركه يهوي على الأرض. نظر الشاب إلى العجوز وقال مثلك قد
اكتفى من الحياة واكتفت الحياة منه، فلتمت ليعيش غيرك أيها العجوز، أما هي فلن أتركها.
أسرع القاتل إلى الداخل فوجد إحدى
الغرف مفتوحة ومضاءة فعلم أن العجوز قد أحضر النقود من هذه الغرفة فدخلها مسرعا
ووجد حقيبة أخرى فعالج قفلها بسهولة فوجد فيها نقودا كثيرة. أخذ الحقيبة وخرج إلى
الصالة فجمع النقود بحقيبة واحدة من الجينز كان يحملها على ظهره، ووضع الحقائب
الأخرى تحت الأريكة. نظر إلى اللاب توب والهاتف المحمول فأخذهما ثم وضعهما داخل
الحقيبة الجينز. خرج من باب الشقة واتجه إلى الأعلى، إلى سطح العمارة.
----------------------------
داخل شقة أنيقة، صالة كبيرة متسعة،
مستطيلة الشكل، يوجد هناك ثلاثة مكاتب كبيرة أنيقة وكل مكتب امامه كُرسيين وبينهما
منضدة صغيرة وفوق المنضدة منفضة سجائر أنيقة. المكاتب متراصة على شكل مربع ينقصه
ضلع. يوجد، في ناحية أخرى، ثلاثة آرائك حديثة جلدية وكراسي استقبال. يوجد على أحد
الحوائط لوحة إعلانية كبيرة مدون عليها شركة العامري للكمبيوتر، استيراد وتوريد
ويظهر شعار الشركة أعلى اللوحة على شكل كمبيوتر بين كفين. الذوق العام ممتاز، يشد
عين القادم من الخارج.
حاولت فتاة، تقف خلف أحد المكاتب،
الاتصال برقم ولكنها زفرت بشدة وتمتمت "أريدك في شيء مهم، ليس هذا وقت إغلاق
الهاتف". اتجهت إلى الشرفة وكانت الشقة في الدور الثاني، ثم نادت بصوت مرتفع
أكثر من مرة "عبد الجواد"، حتى سمعت صوت يُلبي نداءها "حاضر يا
أستاذة مشيرة" ثم ظهر لها رجل في العقد الرابع، من مظهرة تفهم أنه حارس
العمارة أو البواب، أضاف وهو ينظر إلى أعلى
- خير يا أستاذة مشيرة
- الحاج إبراهيم لا يرد على المحمول، اصعد
إلى شقته واطمئن عليه، هذه ليست عادته
- حاضر
نظر البواب إلى السماء فوجدها ملبدة
بالغيوم، السحب تحجب شمس الخريف الباهتة، هذا الطقس الذي يفضله بعض الناس لسبب ما،
يلفظه آخرون لنفس السبب فلا هو صيف ولا شتاء، يجمع طقسه بين صيف باهت وشتاء قادم،
مرحلة انتقالية بين هذا وذاك. مشهد السحب الرمادية الكثيفة التي تخنق الشمس
وتحجبها خلفها يبعث الخوف والترقب في قلب عبد الجواد. لاحظت مشيرة نظرته إلى
السماء فنظرت إليها ووجدت هذا المشهد فشعرت بنفس الشعور، عقدت حاجبيها وتمتمت
الكتاب واضح من عنوانه ثم اتجهت إلى الداخل.
اتجه البواب إلى داخل العمارة ثم
إلى المصعد واستقله، لا توجد لوحة المصعد التي تشير إلى الطابق الذي يقصده المصعد،
خرج البواب منه ثم طرق باب إحدى الشقق ونادي بصوت مرتفع حاج إبراهيم، حاج إبراهيم
ولم يرد أحد. خرج أحد الجيران من شقته ثم تحدث مع البواب فأخبره بالأمر وقررا
ضرورة كسر باب الشقة، تعاون البواب والجار وانضم إليهما ثالث ورابع والبواب يقول
دون إن يسأله أحد الحاج إبراهيم لا يرد. تعاونوا وكسروا الباب فإذا بالحاج إبراهيم
راقدا على الأرض بمنتصف الشقة غارقا في دمائه وبجواره سكينة كبيرة. صرخ البواب
قُتل الحاج إبراهيم ويكررها وهو يهبط سلالم العمارة وباقي الجيران واقفون أمام شقة
القتيل. هرول البواب حتى مقر الشركة وهو مازال يصرخ قُتل الحاج إبراهيم يا أستاذة
مشيرة. سمعته مشيرة فانتفضت وصرخت. واصل البواب طلقاته وجدته مقتولا داخل الشقة،
غارقا في دمائه، سأبلغ النجدة.
----------------------------
داخل شقة القتيل، تواجد العديد من
رجال الشرطة وقام بعض رجال الطب الشرعي بوضع علامات على الأرض حول جثة القتيل لرسم
موضع الجثة، وقام آخرون بمعاينة الشقة بكل تفاصيلها من أثاث وسجاد وحوائط، والتقط
أحدهم صور للجثة وصور أخرى لحروف مبهمة مرسومة على الحائط بدم القتيل، التقط أحد
الرجال مرتديا قفازا علبة دواء وحرزها داخل كيس من البلاستيك مُعد لذلك. وجه أحد
الضباط أسئلته إلى الجيران والبواب ومشيرة وعمال الشركة، ثم كتب محضرا بالواقعة
وقام الجميع بالتوقيع على المحضر. توجه الضابط إلى أحد رجال المباحث، شاب في أواخر
العقد الثاني، بشرته قمحية فاتحة قليلا، شعره أسود قصير، ملامح وسيمة هادئة تتسم
بالجدية. كان يرتدي زيا عاديا عبارة عن سروال جينز وقميص سادة سماوي. قال الضابط
لرجل المباحث:
- انتهينا من المعاينة وأخذ أقوال الشهود يا
محمود بيه
- حسنا يا سالم، ضع حارس على الشقة لحين
مراجعة الطب الشرعي
- حسنا يا أفندم
انصرف رجال الشرطة والطب الشرعي.
نقلت سيارة الإسعاف الجثة إلى المشرحة وانفض الجمع الذي تجمهر أمام العمارة للوقوف
على أسباب الحادث والتقاط الأخبار وتناقلها فيما بينهم. ظلت مشيرة شاردة تكاد لا
تصدق ما حدث. اقترب منها أحد الأشخاص ودعاها إلى العودة إلى منزلها وإغلاق الشركة،
إطاعته لأنها لم تجد بديلا عن ذلك. بدت شاحبة أثقلتها الهموم فمن الواضح أن القتيل
كان عزيزا بالنسبة لها أو موته يمثل لها مصيبة لم تتخيل عواقبها. لملمت أشيائها
بتثاقل وكأنها تأبى أن تعترف بما حدث. أوصدت باب الشركة وهبطت درجات السلم وقد
اتشحت بالحزن وعينيها تفيض بمرارة جافة بلا دموع. حاول البواب أن يتحدث إليها
ولكنها مضت كأن لم تسمعه فضرب كفا بكف شاعرا بالأسى من أجلها. انضم البواب مرة
أخرى إلى بعض الجيران في الشارع الذين احتشدوا والتفوا حوله لمعرفة أي معلومات.
