بالمِثل
كنت أستعد لغلق عيادتي بعد عناء يوم طويل
حيث قمت بدور الطبيب والمساعد أيضا (التمرجي أو السكرتير) الذي أخذ إجازة
لظروف خاصة. تأهبت للخروج من
العيادة للرجوع إلى بيتي لأنعم براحة تمنيتها ذلك اليوم. بينما أستعد لغلق
العيادة وكانت في الدور الأول في إحدى المناطق الشعبية، فاجأني أحد الأشخاص وكانت
هيئته تدل على ظروفه الاقتصادية المعدومة، وكان يسند زوجته الحامل في الشهور
الأخيرة وذلك كان واضحا تماما، دخل إلى العيادة وقال لي" أرجوك يا دكتور
مراتي تعبانة جدا وتقريبا هتولد الوقت" أوضحت له أنني طبيب أطفال ولست طبيب نساء
وولادة لكن الشاب بكى بشدة وكان على وشك الانهيار وقال" مراتي تعبانة جدا
والساعة 12 بالليل ومش هلاقي
حد فاتح الوقت، أرجوك ساعدني مراتي هتروح مني" نظرت إلى السيدة
وأشرت له أن يجلسها على أقرب مقعد وكانت في أشد حالات الألم وتعاني بالفعل آلام
الولادة. استرجعت ذاكرتي وما
درسته وما قرأته من مراجع في طب النساء والولادة والعمليات القيصرية التي حضرتها
بصفتي طبيب أطفال وحالات الولادة التي تمت أمامي، ثم طلبت منه أن يساعدها ويدخل
إلى داخل غرفة الكشف. استقرت السيدة فوق سرير الكشف وطلبت من زوجها الذهاب إلى أقرب صيدلية
ويحضر لي بعض المستلزمات مثل مشبك السُرة. أسرع الرجل لإحضار
ما طلبته منه، بعد قليل حضر ومعه ما طلبت. أخبرني وهو يحاول
رسم البسمة على وجهه " شنطة البيبي جاهزة بكل لوازمه". شعرت لحظتها بكم الأمل والرجاء والثقة في
الله أن الله سيجبر خاطره وسيخرج مولوده إلى الدنيا بخير. كان ينظر إلى زوجته
الممددة فوق السرير ويمسك يدها ليطمئنها وهي تقبض على يده وتقول "يا رب" وكذلك كان هو يردد
بعض الدعية والآيات القرآنية، كان بين الحين والآخر يربت على يديها ويقول "معلش" وكأنه يشعر بالذنب
تجاه حالتها. أسرعت لإحضار بعض
الأدوات الجراحية بعد أن عقمتها مرة أخرى فوق تعقيمها زيادة في الحرص وعدت إلى السيدة
لأجد أن الجنين قد خرج بنصف رأسه ساعدت السيدة حتى استطعت إخراج الجنين وقطعت
الحبل السري ووضعت المشبك السري ثم أخرجت المشيمة وأجريت بعض الفحوصات للتأكد من
سلامة الولادة التي تمت بحمد الله. استراحت زوجته قليلا وقمت بدوري في فحص الطفل
وتنظيفه من بقايا الولادة ولفه وإعطائه لأمه. طلبت منها أن ترضعه
في أقرب وقت. بعد قليل أجرى
الرجل بعض الاتصالات وحضر شخص وزوجته التي ساعدت السيدة على الخروج للعودة إلى
المنزل. أخرج الرجل مبلغا
من المال وقدمه لي ولكني رفضت وقلت له "اعتبره هدية مني لطفلك". غادر الرجل العيادة
وهو يدعو الله أن يعوضني خيرا ويجازيني على تعبي وإنقاذي لزوجته وطفله. رغم تعبي شعرت
بسعادة بالغة بسبب توفيق الله لي في هذه الواقعة. عدت إلى منزلي
وبالطبع كانت أمي تطمئن علي من وقت لآخر وتتابع معي سبب تأخيري، وعندما قابلتني
عند دخولي المنزل بابتسامتها الجميلة أخذتني بين ذراعيها وقالت لي " الخير ده هتلاقيه
في حياتك وبيتك بإذن الله"
بعد ذلك بشهرين تقريبا تزوجت وبعد أقل من
عامين كانت زوجتي حاملا في الأشهر الأخيرة، بينما أنا في العيادة جاءني اتصال منها
تُخبرني أنها تشعر بتعب شديد. أسرعت إليها وأخذتها الى الطبيبة التي تتابع معها
فأخبرتني أن الولادة الطبيعية صعبة لأن الطفل وضعه "بالجنب" ولابد من الولادة
القيصرية وحددت لنا معاد الولادة القيصرية في اليوم التالي في مستشفى قريبة. أضافت أن الطفل
ضعيف وربما يحتاج إلى وضعه في حضّانة. ذهبنا إلى بعض من زملائي أطباء النساء
والولادة للتأكد من كلام الطبيبة فأكدوا نفس الكلام وأنه لابد من الولادة القيصرية.
لم تنتظر زوجتي حتى اليوم التالي للذهاب
إلى المستشفى لإجراء عملية الولادة القيصرية ولكن هاجمتها آلام الولادة وكانت تصرخ
من الألم، اتصلت على الفور بالطبيبة التي حضرت مسرعة إلى المنزل خوفا من حدوث
مضاعفات كما أخبرتني. كنت أقف إلى جوار زوجتي وهي ممددة فوق السرير تتألم وتذكرت مشهد السيدة
التي حضرت إلى العيادة مع زوجها فقلت لزوجتي "قولي يا رب" ظلت ترددها ورددت
أنا بعض آيات القرآن والأدعية وكنت أربت على كتفها لأحثها على تحمل الألم حتى حضرت
الطبيبة وبعد الكشف عليها تعجبت لأنها وجدت الطفل قد خرج بنصف رأسه فساعدت زوجتي
حتى خرج الجنين وكانت صحته في أفضل حال والحمد لله. قالت الطبيبة أن ما
حدث يعد معجزة ثم توجهت إلينا بالحدث قائلة " أكيد ربنا بيحبكم،
كل شيء كان مُيسر وتمت الولادة بسلاسة عجيبة رغم أن وضع الجنين كان صعب". انصرفت الطبيبة
واطمأننت على زوجتي الحبيبة وطفلنا العزيز ثم سمعت جرس الباب وكانت أمي قد حضرت
عندما أخبرتها بما تعانيه زوجتي. بعد أن علمت ما تم وما قالته الطبيبة ذكرتني بما
فعلته من عامين والرجل الذي حضر إلى العيادة ومعه زوجته الحامل ولا يجد من يساعده
وقالت إن الله ادخر لي هذا الخير الذي فعلته لمثل هذا الموقف. تذكرت فرحة الرجل
بطفله وزوجته ثم تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من نفَّسَ عن مؤمنٍ
كُربةً من كُرَبِ الدنيا، نفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ. ومن يسّرَ على
معسرٍ، يسّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرةِ. ومن سترَ مسلمًا،
ستره اللهُ في الدنيا والآخرةِ. واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه).
