القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 حكاية آدم

اتصل بي عادل وهو صديق قديم وطلب مقابلتي ذلك اليوم، عبرت له عن سعادتي لأنني لم أسمع صوته منذ فترة كبيرة. أخبرني عادل أنه مقبل على مشروع وعندما أراد شريكا له، كان أول من تردد اسمه في عقله هو أنا، علل ذلك لأنني دائما ما نصحته بعمل مشروع خاص وأن يترك العمل لدى الآخرين حيث لديه الخبرة الكافية والمال وكل مقومات إنشاء مشروع ناجح. عبرت له عن امتناني لتفكيره في شخصي كشريك وأخبرته أنني سأنتظره في مقهى معروف لنا لأننا كنا نتقابل فيه قديما. بعد أقل من ثلاث ساعات كنت أنتظره في المقهى. بينما أنا جالس أنتظره، رأيت رجلا أربعينيا، رث الهيئة، ملابسه متسخة رغم أنها جيدة وغير مهلهلة، كان يعاني من فقدان البصر ولا يقول غير كلمة "أنا بحبك يا نوال وجاي أخطبك بكره". كان هذا الرجل يسير في الشارع ثم جلس على الرصيف بالقرب من المنضدة التي اخترتها أمام المقهى وكنا، أنا وعادل، نجلس عليها دوما قبل أن تلهينا الحياة وظروفها. ظل الرجل جالسا وكان يردد جملته بلا توقف ثم صمت قليلا وابتسم كأنه يستمع إلى شخص يحدثه ثم عاد مرة أخري يكرر جملته. حضر عادل وكان لقاء حارا مليئا بالذكريات الجميلة بيننا، شكرني على تلبية الدعوة ثم جلس. شاهد عادل ذلك الشاب وتأثر لحاله ثم حضر النادل وصافح عادل ثم سألنا عن طلباتنا فطلبت شاي وطلب عادل قهوة. نظر إلي عادل بعد انصراف النادل وأخبرني أنه كان يحضر إلى هذا المقهى بانتظام. سألني عادل عن ظروفي وأخباري وعن أصدقائنا القدامى فأجبته دون تفاصيل كثيرة وسألته عن ظروفه فأجابني سريعا. أحضر النادل الطلب وسألته عن ذلك الرجل وقصة الجملة التي يكررها "أنا بحبك يا نوال وجاي أخطبك بكرة "، أخبرني النادل أنها حكاية طويلة ونظر إلى عادل وأخبرني أنه يعرف هذه الحكاية. انصرف النادل وانتظرت عادل الذي بدأ يقص الحكاية قائلا:

- هذه حكاية وجع وملخصها أن هذا الرجل واسمه آدم كان يحب فتاة في شبابه اسمها نوال، وبعد تخرجه من الجامعة التحق بعمل بسيط ثم كون ثمن دبلة الخطوبة وذهب إلي بيت حبيبته ليطلب يدها. كان يتخيل أن والدها سيقابله بالترحاب أو سيجد صعوبة ولكن في النهاية سيرضخ والدها لان نوال تحبه وأخبرت والدها بذلك كما قالت له، كان يحمل في قلبه أملا كبيرا في الارتباط بنوال بمقدار حب دام لسنوات أربع هي فترة الدراسة في الجامعة. طلب موعدا للمقابلة وذهب بمفرده إلى منزلها. قابله والد نوال بطريقه عادية ثم بدأ يسأله عن إمكانياته وراتبه وشقته وما إلى ذلك، ثم تغيرت طريقته عندما لم يسمع من آدم إلا أنه في مقتبل حياته وقد جمع ثمن دبلة الخطوبة بصعوبة بالغة. تغيرت طريقته وأصبحت حادة بطريقة مبالغة وألقى عليه دروسا من قبيل " بنات الناس مش لعبة، وطالما مش قد الجواز جاي تعمل إيه، ولو أنت آخر واحد في العالم مش ممكن أجوزك بنتي ". عاد آدم بخفي حنين إلي بيته ثم حدثت مشكلات كثيرة، لم ير نوال مرة أخرى فقد حبسها والدها في المنزل ومنعها من الخروج ومقابلة أي إنسان وعقد صفقة مع أحد الأغنياء ليبيعها له في شكل زواج رسمي مقابل حفنة من الجنيهات. كان آدم يذهب يوميا ليقف بالساعات أمام منزلها من مسافة بعيدة لعله يراها. علمت الفتاة بنية والدها أن يبيعها لذلك الغني ويحرمها من حبيبها للأبد فقررت التخلص من حياتها وألقت نفسها من الشرفة وانتحرت. كان آدم ينتظر أمام المنزل وكانت المرة الأولى التي يراها فيها بعد هذه الفترة، رآها جثة هامدة أمامه على الأرض فظل يبكي ويضمها إلى صدره وهو يردد هذه الجملة " أنا بحبك يا نوال وجاي أخطبك بكرة" لم يستوعب عقله أن يرى حبيبته جثة هامدة بين يديه، أخرج الدبلة من جيب سترته وألبسها لها في إصبعها وهو يصرخ ويبكي ويردد " أنا جيت يا حبيبتي" لم يقترب منهما أحد حتى حضرت سيارة الإسعاف وأخذوها من بين يديه. ظل يجري خلف السيارة وهو يبكي ويردد الجملة حتى اختفى عن الأنظار. ظهر مرة أخرى في المنطقة التي تحمل رائحة حبيبته وقد فقد عقله الذي لم يستوعب ما جرى، ثم تدهور حاله حتى فقد بصره أيضا من كثرة البكاء وكأن عينيه أبت أن ترى أي شيء في هذه الدنيا بعد أن ذهبت حبيبته عنها.

شردت قليلا أفكر في السبب الحقيقي الذي آل بآدم إلى هذا المصير، هل فقدانه لحبيبته التي فارقت دنياه أم إحساسه بعجزه عن فعل أي شيء وحبيبته جثة بين يديه وقد فقدها للأبد. هل عقله لم يستوعب الأحداث أم قلبه الذي لم يتحمل هذا الوجع.

عدت أنا وعادل لنتناقش في المشروع بعد أن عبرنا عن أسفنا لحال آدم وهذا حالنا جميعا تمر أمام أعيننا الأشجان والعبر فنأسف لها قليلا ثم نعود أدراجنا لننغمس في صخب الحياة وتداعيات الأحداث.

التنقل السريع