القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 



دقات الهون

"دقات الهون" العالية الصاخبة مازال يتردد صداها في أذني وعقلي، أول مرة دق الهون في بيتي لحظة ميلاد ابني الأكبر، أخذ كل عطفي وحبي وحناني، هكذا كنت أعتقد، قلت لزوجتي ذات مساء "أعتقد أن عمر أخذ كل حناني وحبي" أتذكر لحظتها أنها ابتسمت وقالت "هكذا يُهيأ لك". صدقت زوجتي فكان ذلك الشعور يراودني مع كل أولادي حتى اكتملوا أربعة، عمر وعلي وسماح وسلمى. اتفقت أنا وزوجتي أن يكون أول حرف في أسماء الأولاد مثل أول حرف في اسمها عايدة وأول حرف في أسماء البنات مثل أول حرف في اسمي سليم. مرت الأيام جميلة في بدايتها. لم تمر إلا بضعة سنوات حتى وجدت نفسي أباً لأربعة أبناء، أسرعت زوجتي بإنجابهم على عجل فحضروا للدنيا على مرتين، أنجبت اثنين في المرة الواحدة. كنت أمازح زوجتي قائلا "لماذا استعجلت في الولادة، كان من الممكن أن تأتي بهم على مهل" كانت تبتسم وترد" أردت أن أوفر عليك مصروفات الولادة".

كبروا سريعا أمام عيني، عشت معهم كل مراحل الطفولة الجميلة، كنت أحكي لهم قصص الحيوانات التي تتكلم وأقلد صوتها وأمثل لهم الشخصيات الخارقة التي بدأوا يتعلقون بها بعد مرحلة الحيوانات، تدربت كثيرا لكي أغير من نبرة صوتي لأمثل لهم المسرحيات وأقلد لهم الأصوات كصوت "الأراجوز".  سافرت معهم في دنيا الخيال إلى عوالم الأساطير الكثيرة وخضنا معا معركة الخير ضد الشر. كانت بسمتهم أهم رسالاتي على الإطلاق.

مررت معهم بكل المراحل الدراسية، نجحت معهم وتعثرت أحيانا معهم، وصلت أيضا معهم إلى مراحل المراهقة على اختلاف ملامحها وتفاصيلها من ابن لآخر. عشنا مشاكلها وحلوها ومرها ولكن كل ذلك مر سريعا حتى أنني أتذكر كل التفاصيل كأنها أمس. وصلوا إلى مرحلة الشباب، المرحلة الجامعية، كل شعر بأنه إنسان مستقل بعواطفه وخصوصياته. كانت زوجتي تمر معنا بذلك أيضا ولكن لا يمكن أن أعبر عن أفكارها بكلماتي. ساعدتني كثيرا في مراحل تربيتهم فكانت الصديقة المقربة لبناتي وكنت أنا صديقا لأولادي. حاولت أن أكون قريبا منهم لحد كبير ونجحت في ذلك حتى مرت تلك الأيام بسلام.

عادت دقات الهون ترن في أذني مرة أخرى عندما دقت في بيوت أولادي وأعلنت قدوم أولادهم – أحفادي- واحدا تلو الآخر. أسرع بي قطار الحياة حتى وجدت نفسي أبا ثم جدا وما ترك أثرا غائرا في قلبي أن كل أبنائي ركبوا قطارات مختلفة عن قطاري، كل في حياته، حتى زوجتي تركت القطار ونزلت مبكرا، وأصبحت في هذه المدينة وحيدا كما جئت إليها منذ خمسين عاما قادما من بلدتي، تركت بلدتي في صعيد مصر وجئت باحثا عن العمل والسكن والاستقرار فتزوجت وأنجبت وأصبحت وحيدا مرة أخرى، في تلك اللحظة تمنيت لو عشت لنفسي ولم أعش الحياة التي توقعها مني الآخرون.  تمنيت في تلك اللحظة التي شعرت فيها بالوحدة لو حافظت على تواصلي مع أصدقائي القدامى فهم مختلفون عن بقية الأصدقاء فقد جمعتنا لحظات سعيدة وذكريات الطفولة الجميلة. شعرت بالأسف لأنني ابتعدت عنهم في بداية حياتي العملية وتكوين عائلتي حتى فقدتهم جميعا وكأنني مسحت ذكرياتي بيدي.  أكتب هذا الخطاب، عفوا، أمليه على أحد أخصائي الدار التي ألحقني بها أولادي بعد أن انشغلوا عني بحياتهم، أمليه عليه ليكتبه إلى شخصكم الكريم لتنشره بجريدتكم ليحاول كل من يقرأ كلماتي أن يتخذها عبرة ويفكر في نفسه، فمن لا يحب نفسه ليس من حقه أن يطلب حبها من الآخرين.  أخيرا، أود أن أعبر عن ألمي من دوي دقات الهون التي ما زالت تطن في أذني.



التنقل السريع