القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 كبيرة العائلة

جدتي العزيزة الحاجة هدية، نعم ليس هدى، كل من يسمع الاسم أو يقرأه لأول مرة يظن أن ثمة خطأ في سماعه أو كتابته. إنها الحاجة هدية جدتي العزيزة، هدية من الله لنا جميعا نحن عائلة هيدايت، نعم تُكتب أيضا كذلك وتنطق كذلك بالتاء المفتوحة في نهايتها. لقد سئمت التأكيد، في كل مرة أكتب فيها اسم العائلة في المستندات الرسمية، أن الاسم صحيح. كانت جدتي عمود العائلة الذي يجمع شملنا، فكان الكل يطيع أوامرها ولا يرد لها كلمة من كبيرنا قبل صغيرنا. كان لصوتها لحنا مميزا تطرب له آذاننا وهي تنادي على أحفادها وأنا منهم بالطبع.

كانت جدتي تجمع العائلة مع بعضها أو بشكل فردي حسب قدرة وظروف كل رب أسرة وإذا كانت الظروف ليست على ما يرام فتكتفي بالأحفاد فقط، ولكن لا يمر الشهر إلا وينعم بزيارتها الجميع. كنا جميعا نجتمع في الأعياد والمناسبات في بيتها الكبير الواسع، كان الأطفال يلعبون شتى أنواع اللعب وليس هناك مجال لكلمة "كفى لعبا" التي نسمعها في بيوتنا فلم يكن يجرؤ أحد أن يُصدر أمرا في البيت غير جدتي العزيزة، لذلك كُنا كأحفاد ننتظر هذا اللقاء كأنه العيد ليتصرف كل منا على راحته دون قيود ونلتقي مع أقاربنا ولكن بالطبع نتلقى التعليمات بالمسموح والممنوع مسبقا قبل أن نذهب إلى بيتها.

كانت تستقبلنا جميعا وتشترط علينا جميعا أن نترك هواتفنا ولا نستخدمها إلا للرد على المكالمات الهامة فقط وكنا نلتزم بذلك ونجدها فرصة لنتواصل في الواقع مع بعضنا بدلا من التواصل الوهمي على مواقع "السوشيال ميديا". كانت تبتسم إذا شاهدت أحدا من العائلة مشغولا بهاتفه وتقترب منه ثم تمد يدها وهي مبتسمة فيطيع أوامرها ويعطيها الهاتف فتأخذه ولا يرد إليه إلا عند الانصراف وكأنها لجنة امتحانات. كنا نرضى ونبتسم وندعو الله أن يطيل عمر ذلك الوجه الجميل المبتسم دائما.

 كانت لزيارتها طقوس يعشقها الصغار خاصة ومنها أكياس الحلوى التي كانت توزعها علينا عند الانصراف، أما الكبار فكانوا يتلذذون بالطعام الذي كانت نساء العائلة تشارك في إعداده. كانت أهم مميزات لقاءاتنا هي التقارب الأسري والعائلي فكان الجميع يعرف بعضه، كان الغني يعرف حال الفقير فيساعده، ومن كان لديه مشكلة ما، كان يجد من يمد له يد العون دون أن يطلب. أتذكر أن عمي كان يمر بضائقة مالية وأصبح مصنعه الصغير لصناعة الملابس مهددا بالإغلاق فقام أحد أقاربنا بتوفير المواد الخام له وشاركه حتى استعاد وضعه المالي وأصبح المصنع في خير حال.

اقترحت جدتي عمل صندوق للعائلة يقدم المساعدات لأفراد العائلة ويعتمد في دخله على اشتراك شهري بسيط. تحمس الجميع لهذا الاقتراح وتطورت الفكرة لتصبح جمعية اجتماعية ترعى أبناء العائلة وتقدم المساعدات في المناسبات الخاصة كالزواج والولادة والعمليات وما شابه ذلك. تعددت أيضا مصادر دخل الجمعية فلم تعتمد فقط على الاشتراك الشهري ولكن أنشأت مشاريع تُدر دخلا للجمعية وبذلك أصبحت سندا لجميع أفراد العائلة وأصبح الأحفاد لا يحملون هم العمل بعد التخرج أو في الإجازات الصيفية فالجمعية وأنشطتها متاحة للجميع.

رحلت جدتي وبقي الأثر، مازلنا نجتمع قدر الإمكان شهريا ندعو لها بالرحمة، ونروي لبعضنا ما بذلته من جهد لتجمع شمل العائلة وما قدمت لنا جميعا. كان والدي من أشد المتحمسين والداعمين لكل أفكار جدتي العزيزة ومن ضمنها الجمعية، فاستمر في جمع شمل العائلة وقيادة الجمعية لتبقى قائمة، سندا لأبناء العائلة وحمّلني مسؤوليتها من بعده.

التنقل السريع