القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 

كشك رجب

مررت في طريقي للعمل بأحد الأكشاك التي ظهرت وانتشرت أسفل الكباري في الميادين الكبرى والفرعية. كان كشكا صغيرا لبيع البقالة والأطعمة السريعة كالبسكويت وشرائح البطاطس بالإضافة إلى السجائر. كان صاحب الكشك رجب، هذا ما عرفته بعد ذلك، رجلا طيبا يعول أسرة متوسطة الحال وكان دائم الابتسامة رغم أن لكل منا همومه ومشاكله الخاصة. وقفت أمام الكشك لأشتري بعض البسكويت فأنا من عشاق تناول البسكويت بجانب الشاي. عرض علي الرجل أن يصنع لي فنجان قهوة أو كوب شاي، دون أن أبدي رغبتي في ذلك، وأخبرني أنه أحضر ماكينة لصناعة القهوة وأخرى للمشروبات الساخن. أعجبتني طريقة عرضه للخدمات التكميلية التي يقدمها ولكن أخبرته أنني لا أستطيع تناول أي مشروب في ذلك المكان وتلك الرائحة الكريهة التي تنبعث من أسفل الكوبري تملأ الجو. ابتسم الرجل وقال إنها عادة سيئة أن يختار الناس أسفل الكوبري لقضاء حوائجهم غير عابئين بما يتسببون فيه من أذى للآخرين ووعدني أنه سيقضي على تلك الرائحة تماما في أقرب وقت.

مرت أيام كثيرة لا أتذكر عددها، كنت قد اُنتدبت فيها إلى فرع الشركة بمنطقة أخرى ولا أريد أن أتذكر تلك الأيام التي تحملتها رغما عني حتى أنها مرت بصعوبة وكأنني كنت مسجونا وأشكر الله أنها مرت وانقضت مدة عقوبتي وعدتُ إلى حياتي الطبيعية سالما.

ذهبت إلى كشك رجب مرة أخرى وراق لي ما شاهدته، فقد قام الرجل بتغيير استراتيجي لمنطقة أسفل الكوبري حتى أصبح مشتلا للأزهار والنباتات وأصبحت رائحة الريحان خاصة والأزهار بصفة عامة هي التي تميز المكان. ابتسم لي الرجل عندما شاهدني متجها نحوه وأخبرني أنه قام بذلك ليقضي على الرائحة تماما ومنع الناس من ممارسة هذه العادة السيئة. شكرني الرجل كثيرا لأنني وجهت تفكيره إلى تلك النقطة. أخبرني الرجل أن أنفه كانت قد تعودت على تلك الرائحة الكريهة فلم تعد تسبب له الضيق مثل أول مرة شمها فيها. أضاف الرجل مبتسما أنه لولا أن أنفي لم تكن متعودة على هذه الرائحة السيئة لما ساعدته على القضاء على تلك المشكلة. ضحكتُ لمنطقه السليم فإن اعتدت على السيء فلن تشعر بسوئه إلا إذا وجّهك أحدهم إلى ذلك السوء، أو إذا شاهدت الشيء الحسن وأعجبك.

تغير المكان إلى الأفضل، تحول ذلك المرحاض العمومي إلى مشتل أزهار ونباتات ينشر الرائحة الجميلة والعطور الرائعة في الميدان كله. قبل أن أنصرف من عنده قال لي "هل لديك تعليق، فربما تُفيدنا عيناك كما أفادتنا أنفك" ضحكتُ لهذه الفكاهة وقلت له "سيُفيدك عقلي هذه المرة، وأشرت عليه بضرورة إنشاء كشك للورود والأزهار ليحسن الاستفادة من المشتل ويأخذ الصفة الشرعية" ابتسم الرجل وقدم لي كوبا من القهوة كهدية وقال "سوف أقدم طلبا بذلك وعلى الله التساهيل". انصرفت وأنا أشعر بالسعادة لوجود مثل هؤلاء بيننا.


 



التنقل السريع